نشر موقع «أفريكا انتلجنس« يوم الاثنين 27 يوليو 2026م تقريراً حول زيارة قيادات بارزة بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» لدولة إسرائيل، وخلال يوم أمس الاثنين وحتي منتصف اليوم الثلاثاء شرعت في التحقيق والتقصي حول وقائع مرتبطة بالتقرير خلصت فيها لتضمين التقرير المذكور لمعلومات أساسية «غير صحيحة بالكامل» وسأقوم في السطور القادمة بتوضيح تلك الوقائع، وهو ما ادي لتأخير نشر هذا التعليق.
لكن قبل الولوج للمحتوي من المهم التنبيه إلى أمرين إثنين وهما:-
أولاً:- أكتب هذا التعليق بصفتي الشخصية وبحكم عملي الصحفي القائم على البحث عن الحقائق وتمليكها للرأي العام وتقييم المحتوي الصحفي بشكل مهني، ولذلك فإن أي استخدام لهذا التعليق بنسبه لأي جهة من الجهات بخلاف شخصي الضعيف سيكون عملاً غير مهني أو دقيق.
ثانياً:- الزاوية التي يناقشها هذا التعليق لا علاقة لها بمسألة نقاش رفض أو قبول زيارة إسرائيل أو التطبيع أو غيرها من تلك القضايا فذاك سياق ونقاش مختلفين، ويركز هذا المحتوى بشكل أساسي على مضمون ما جاء في التقرير بتبيان وإظهار عدم صحة وقائع أساسية بديهة استند إليها في روايته المذكورة “من لم يصدق في الأساسيات لن يصدق في التفاصيل”، بجانب مخالفة قواعد مهنية أساسية ورئيسية.
عليه وعودة للقضية الأساسية حول ما ورد في ذلك التقرير وبعد بحث وتقصي وتجميع لوقائع وتدقيق المعلومات إستمر طيلة يوم أمس الاثنين 27 يوليو 2026م وحتي منتصف اليوم الثلاثاء 28 يوليو 2026م خلصت للنتائج التالية :-
1/ اولي الفتوق في التقرير المذكور كان الإدعاء بأن رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي ورئيس مكتب العلاقات الخارجية بتحالف (صمود) الأستاذ بابكر فيصل تم توقيفه من قبل السلطات المصرية لمدة أربع ساعات وهو قادم من الخارج …الخ … إلا أن المعلومة الحقيقية والصحيحة “أن الأستاذ بابكر فيصل تم احتجازه يوم الأربعاء 8 يوليو 2026م بمطار القاهرة مغادراً ولم يكن عائداً ” !! .. يمكن تأكيد هذه الجزئية بمتابعة الأخبار المتداولة حول هذه الواقعة المنشورة بمنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية يومي الاربعاء والخميس 8 و9 يوليو 2026م لتأكيد أن التوقيف ذلك تم عند المغادرة وليس بعد الوصول.
2/ الفتق الثاني الوارد في التقرير المذكور الإشارة إلي أن الزيارة المذكورة لاسرائيل تمت في شهر يونيو 2026م من قبل ثلاثة أشخاص وهم على التوالي المهندس خالد عمر يوسف والاستاذ بابكر فيصل والاستاذ طه عثمان اسحاق … وتحديد هذا التوقيت يكشف الفتق الثاني في الرواية فطبقاً لمعلومات تحصلت عليها أكد أكثر من مصدر وجود الاستاذ بابكر فيصل في العاصمة المصرية القاهرة منذ مايو الماضي وعدم مغادرتها لأي جهة خارجية أخرى حتى الثامن من يوليو الجاري عند حدوث واقعة توقيفه بمطار القاهرة.
نخلص من هذه الجزئية أن ركن ركين من رواية الزيارة بمشاركة الاستاذ بابكر فيصل تقوض وتهدم وتأكد عدم دقته على الإطلاق “اللهم إذا كانت تلك الزيارة تمت عبر البُراق فسري وعرج به دون احتياج للمطارات” فمن المؤكد أن حدوث هذا الأمر يجعلنا أمام كرامة خارقة تستحق في حال حدوثها أن تكون النبأ والخبر وفق القواعد الصحفية المعتادة الاحترافية والمعمول بها وليس خبر الزيارة المذكورة.
3/ الوقائع المذكورة سابقاً أكدها الأستاذ بابكر فيصل في توضيح نُشر بإسمه يوم أمس الاثنين 27 يوليو 2026م أفاد فيه بعدم مغادرته للعاصمة المصرية القاهرة منذ وصوله إليها في 25 مايو 2026م وأن السلطات المصرية لم تسمح له بالسفر خارج مصر حينما كان يعتزم مغادرتها في الثامن من يوليو الجاري بمطار القاهرة بسبب نشرة صادرة عن الانتربول بحقه بناء على طلب سلطات قائد الجيش وأنه عاد بعدها مباشرة إلي مقر إقامته بالقاهرة مباشرة، مؤكداً عدم زيارته لإسرائيل مطلقاً. بناء على هذا التوضيح فإن الافادة المقدمة من الأستاذ بابكر فيصل تؤكد ما اشرنا إليه سابقاً بخصوص الوقائع التي وردت في ذلك التقرير المزعوم.
4/ الفتق الثالث وهو مرتبط بأمر كلي، فإذا كان السياق الجزئي للرواية في الواقعتين المذكورتين أعلاه مخالفة للواقع بحكم ما هو معلوم وحتى مشاع ومتاح فإن المنطق السليم يقودنا إلي أن “تداعى الشق الأساسي من الرواية يعرض بقية الأجزاء والحبكة لذات المصير”.
نجد أن كاتبة التقرير بنت وقائعه على المعلوم بالضرورة ممثلة في “واقعة تحقيق السلطات المصرية مع استاذ بابكر فيصل بسبب تلك الزيارة” والتي أثبتنا عدم صحتها ودقتها بأن الأمر حدث “مغادراً” وليس “عائداً” ثم القول بأنه زار اسرائيل في يونيو الماضي في حين أن المعلومة الصحيحة أنه لم يغادر القاهرة منذ مايو الماضي.
لكل ذلك فخطأ المعلومات الأساسية لهذا المحتوى بما في ذلك المبذولة لكافة الناس والمعلومة يجعل الوصم بعدم الدقة –عند حسن الظن- يسري على بقية تفاصيل وأجزاء الرواية، وبشكل مبسط “من يفشل في الإجابة الصحيحة لعمليات جدول الضرب للرقم ثلاثة، يعجز عن الوصول للحل الصحيح للتباديل والتوافيق الأكثر تعقيداً” !!، وعليه من يورد معلومة “خطأ وغير صحيحة في الأمر المعلوم فما يذكره بخصوص مجهول للناس تصبح فرضيات الخطأ في ذلك المجهول أكبر إستناداً لجهله بداية بما هو معلوم بالضرورة” !!.
5/ الفتق الرابع في الرواية حسب المعلومات التي جمعتها خلال يوم أمس ان المحررة المذكورة استنطقت أحد المذكورين في هذا الاجتماع المزعوم وطرحت عليه سؤالاً “هل حدثت الزيارة أم لا؟!” رد عليها بالنفي، وهنا لم تقوم المحررة بالدور الصحيح أن تطرح أدلتها والوقائع لتعزيز روايتها، ولكنها وظفت تلك الافادة لـ”حقن المادة لإثبات التوازن والمهنية” بإيراد النفي في أخر التقرير بعد تغذية المتلقي بشكل كامل بكل محتوياته، والصحيح مهنياً أبراز ذلك النفي في مستهل التقرير بحيث يكون المطلع عليه ملماً بوجود رأي مخالف لما سيرد فيه. في تقديري هذا ليس خلل في بنية المحتوى ولكنه فعلياً مقصود بحيث يتم تشكيل رأي المتلقي مسبقاً قبل إكماله قراءة كل المحتوي بأن الواقعة صحيحة مع الاشارة للنفي في اخر المحتوي وربما يطلع عليه البعض أو لا ، وهنا أكد أجزم أن هذا ليس خلل بنيوي بقدر ما هو “أمر منهجي متعمد ومقصود”.
6/ الفتق الخامس هو مهني متصل ببنية التقرير نفسه فهو يسرد جملة وقائع دون الاستناد إلي مصادر رئيسية متصلة بالموضوع “فلا أحد من المشاركين أو الجهة المستضيفة أكد الواقعة أو قدم تفاصيل لها”، ولذلك جاءت كل التفاصيل المرتبطة بها دون الاستناد إلي مصادر وهو أمر يضعف الرواية ويقوضها كلياً في حال إظهار أي معلومة غير صحيحة واردة فيه أو إستند عليها، وما أكثرها في حالة هذا التقرير رغم قلة محتواه.
نجد أن المصادر الوحيدة التي نسبت لها واقعة معينة في التقرير هي المصادر التي أكدت “أن التحقيق مع الاستاذ بابكر فيصل بمطار القاهرة تم بسبب تلك الزيارة لاسرائيل”، وسبق أن أثبتنا عدم حدوثها في الأساس لكونه لم يغادر مصر منذ مايو الماضي، في حين أن التقرير ذكر أن الزيارة تمت في يونيو الماضي.
لكن اللافت للنظر في التقرير استناده لأحاديث منقولة وجاء فيه نصاً “ويُقال إن عبد الله حمدوك كان قد أُبلغ مسبقاً بهذا الاجتماع ..الخ” ثم يذكر التقرير في جزئية ثانية “فقد ناقش مسؤولون في تحالف (صمود)، من بينهم خالد عمر يوسف وبكري جاك والحاج وراق، في أحاديث غير رسمية …الخ”، وهنا يطرح سؤال مهني أساسي “من الذي أو الذين قالوا ؟!”، ثم لمن نُسبت معلومة نقاش مسؤولين في تحالف (صمود) المذكورين من دقة المحتوى بالاسم في أحاديث غير رسمية حول جدوى العلاقات مع اسرائيل دون أن يورد اسم أو صفة المصدر ؟ ثم أين جرت تلك الأحاديث ومع من وفي أي سياق ؟!.
ما اشرنا إليه لا يخالف فقط العرف المتبع في التعامل مع المصادر وتصريحاتهم ولكنه مخالف لقواعد الأسئلة التي يجاوب عليها أي خبر صحفي لأسئلة (من، ماذا، متي، أين، لماذا وكيف)، ومن السياق المطروح فإن القائل الناقل للمعلومات المشار إليهما أعلاه ليس مجهول محجوب بناء على طلبه ولكنه غير موجود في الأساس !!، وهذا يدخل في ما يعرف في عرفنا الصحفي السوداني “بأنه من باب النجر –اي الاختلاق- المكشوف بسبب كثرة الثقوب الكاشفة لعدم صحته”.
النموذجان المذكوران أعلاه يصلحان الاستدلال بهما في حالة “احاديث المقاهي وجلسات الأنس” ولكن من المؤكد ليس في باب العمل الصحفي المهني أو الاكاديمي، ولذلك فإن هذا العمل المنشور بموقع افريكا انتلجنس) يصلح (قصة قصيرة) أو (عمل أدبي يمزج بين الصحافة والروايات المخلوطة ببعض الشخصيات الحقيقية لمنحها نكهة تجعلها تبدو وكأنها عمل حقيقي)، لكنه بأي حال من الأحوال لا علاقة له على الإطلاق بأي عمل صحفي مهني يلتزم بالأسس والضوابط الحاكمة له.
7/ خلصت شخصياً بناء على كل ما ذكر سابقاً إلي أن الدافع الحقيقي لنشر هذا التقرير بما تضمنه من “فتوق” واضحة للعيان، مقصده الاساسي ليس نشر الحقائق أو الوصول إليها وإنما للاسف الشديد نقيض كل ذلك بشكل كلي بالوصول لأهداف ونتائج أخرى.
في هذا السياق قادني التحليل لافتراض الأرجح لدي أن المقصد من هذا الاختلاق دفع تحالف (صمود) إما للصمت فيبدو التقرير صحيحاً، أو الاستدراج للدخول في دوامة النفي والإنكار وهذا يخدم مباشرة طرف أخر لم يرد ذكره على الإطلاق في التقرير، حيث ظل ذلك الطرف المحجوب عن الذكر “يهرول صوب إسرائيل ويستجدي عقد اللقاءات حتى في دول ما وراء المحيط أو علناً بكتابة المقالات، ولا يجد في كل ذلك حرجاً لكنه يريد منع الاخرين حتي يقدم نفسه كحليف إقليمي وينال قدر من القبول والرضا والشرعية لتعزيز سلطته”، في تقديري هذا الهدف وتلك اللعبة لدفع تحالف (صمود) للصمت أو النفي من أجل تحقيق هذا الهدف بخلاف “سذاجتها” فهي “مكشوفة ومفضوحة”.
يبقى الأمر المثير للدهشة أن يقوم المناصرين لقائد الجيش بتوظيف الخبر وتوظيفه وجعله منصة للهجوم والتخوين لقادة (صمود) جراء فعلهم ذلك رغم أن قائدهم البرهان هو أرفع مسؤول سوداني في التاريخ منذ إستقلال السودان يلتقي بأرفع مسؤول إسرائيلي علناً في 3 فبراير 2020م وكان الهدف يومها ليس تحقيق مصالح السودان ولكن تسويق نفسه حاكماً للبلاد.
بعد إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م وعقب قرار التحالف مع طهران فإن الرجل نفسه ظل يطرق الأبواب الاسرائيلية ليل نهار سراً وعلناً عسى أن يحظى بلقاء مرة أخرى، ورغم تلك الوقائع لكنهم يغضون الطرف عنها لا يتحدثون عنها أبداً لأنهم في وعيهم يريدون لقائدهم حظوة اللقاء وحيداً مع حرمان الاخرين منها –بغض النظر سواء أن فعلوا هذا الأمر أو لم يفعلوا أو حتي أرادوا فعله- ولذلك فإن هذا المنطق المعوج يهدف إلي تجريم «صمود» ومنعها من لقاء اسرائيل وفي نفس الوقت يحلل ويبيح للبرهان ورهطه فعل ذات الأمر” !!!
في ذات السياق لا استبعد أن يكون ضمن أهداف هذا النشر في هذا التوقيت مقاصد غير مرئية أو واضحة للعيان متصلة بنتائج غير مرتبطة بجوهر الموضوع وإنما بجزيئات واردة فيه، مع إمكانية وجود فرضيات أخرى مختلفة مع ما ذكر أو مزدوجة تجمع فرضيتين أو أكثر جراء المحتوي والتوقيت “ومهما يخفي من أمر اليوم فإن مصيره الكشف في الغد القريب”.
8/ الجوانب المرتبطة بهذا التقرير ومحتواه تستوجب من الموقع المذكور إعمال معايير المهنية تجاه المحررة كاتبة المحتوى –إلا إذا كان الموقع المذكور وبمحض إرادته طرفاً في هذا الأمر فذاك شأن مختلف تماماً- للتأكد من مدى التزامها عند تواصلها مع المصادر المباشرة بما في ذلك المرتبطة بتحالف «صمود» والمتاحين لها لتأكيد أو نفي المعلومات الواردة في التقرير لتأكيد المعلومات الواردة فيه عوضاً عن استخدام اسلوب “الحقن لاغراض التوازن” بهدف تمليك المعلومة الكاملة والصحيحة.
من الواضح أن السياق العام للوقائع الواردة بها فجوات معلومات غير “صحيحة” أو “دقيقة” كان بالامكان وضعها في سياقها الصحيح إذا كان المقصد “الوصول للحقيقة” لكن في تقديري أن هذه الجزئية غابت تماماً من المحررة كاتبة التقرير لاسباب تتعلق بدوافع أخرى غير مهنية.
لكل ذلك فإن موقع (أفريكا انتلجنس) وفي حال كونه ليس طرفاً مباشراً عاملاً على هذا الأمر ومنخرطاً فيه لتحقيق تلك النتائج والأهداف المترتبة على هذا التقرير، فإنه مطالب أن يتعاطى مع هذه القضية من زاوية الحفاظ على مصداقيتها وحمايتها من التقويض وتعزيز وترسيخ الاسس المهنية التي تحكم وتضبط المواد المنشورة في منصته فالمادة المذكورة تفتقر لأسس وقواعد العمل الصحفي الاحترافي الصحيح. اما في ما يتصل بالدوافع فمن المهم إذا كان الموقع راغباً في الحفاظ على مهنيته وعدم اقحامه أو جره ليصبح مجرد أداة تخدم أجندات تكون سلباً على سمعته ومهنيته فإن الملاحظات المهنية تستوجب التوقف والتأمل من جانب وأن يقيم الدوافع الحقيقية للمحررة التي جعلتها تقوم بإعداد مادة مخالفة لكل القواعد والاصول المهنية.
أما في حال حدثت كل هذه الوقائع برضا وقبول ومباركة الموقع فحينها يمكننا القول بأن الموقع فعلياً إختار أن ينقض غزله بيده لا عبر غيره، وتحول بمحض إرادته واختياره لمجرد “ناشر للاخبار الكاذبة والمعلومات المضللة مع سبق الإصرار والترصد”.
ما أوردته سابقاً هو خلاصة ونتائج البحث حول هذا الأمر الذي اخذ يوم أمس الاثنين وجزء من اليوم الثلاثاء وبات الآن بين يدي الناس ليحكموا له أو عليه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.