الجهل عدونا.. كيف أقنع الكيزان بعض السودانيين بأنهم المنقذ الحريص على الوطن؟
أواب عزام البوشي
إذا أردت أن تعرف كيف نجحت الحركة الإسلامية في خداع جزء من السودانيين، فلا تبدأ بالحرب، بل ارجع إلى ما قبلها بسنوات. فالحرب لم تكن حدثاً مفاجئاً، وإنما كانت، نتيجة مسار طويل من السياسات التي قامت على تسييس مؤسسات الدولة، وإضعافها، وإدارة البلاد بمنطق البقاء في السلطة لا بمنطق بناء الوطن.
طوال سنوات حكمهم، لم يعمل الكيزان على تأسيس دولة قوية بمؤسسات مستقلة، بل فتحوا الباب أمام تعدد مراكز القوة، حتى أصبح السودان بلداً يعج بالحركات المسلحة والتشكيلات العسكرية المختلفة، بينما تراجع دور الدولة وتدهور الاقتصاد بصورة غير مسبوقة.
وعندما خرج السودانيون في ثورة ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، لم يكن مطلبهم إسقاط أشخاص فقط، بل إسقاط مشروع سياسي أثبت فشله في إدارة البلاد. لكن بدلاً من احترام إرادة الشعب، جرى فض اعتصام القيادة العامة في محاولة لإخماد الثورة، وحين فشلت تلك المحاولة، جاء الانقلاب على الحكومة المدنية لإيقاف مسار الانتقال الديمقراطي.
ورغم أن الحكومة المدنية لم تكن تملك السيطرة الكاملة على القوات النظامية، فإنها شرعت في تنفيذ مشروع إصلاح مؤسسات الدولة، وبدأت خطوات أولية لإبعاد المؤسسة العسكرية عن النفوذ السياسي وإحداث تغييرات داخلها، بما يتوافق مع أهداف الفترة الانتقالية. كما حققت إنجازات مهمة، أبرزها رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستعادة علاقاته مع المجتمع الدولي، وفتح الباب أمام الاستثمارات، وتحسين صورة السودان خارجياً بعد سنوات من العزلة. وأرى أن هذه النجاحات، إلى جانب مشروع الإصلاح، أثارت مخاوف الحركة الإسلامية، لأنها كشفت أن السودان يمكن أن يسير في طريق مختلف، وهو ما جعل إنهاء التجربة المدنية بالنسبة لها أولوية سياسية.
وعندما خرج السودانيون مرة أخرى إلى الشوارع رفضاً للانقلاب وتمسكاً بالحكم المدني، تحولت الأزمة إلى مواجهة عسكرية، كان يمكن تجنب الحرب، لكنها اندلعت نتيجة صراع على السلطة وتصفية خصم سياسي وعسكري، ثم جرى تقديمها للسودانيين على أنها معركة وطنية في مواجهة مؤامرة خارجية تستهدف السودان.
هذه الحرب لم تحمِ السودان، بل دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، ودمرت المدن والبنية التحتية، وأدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخها. وكان يمكن أن تتوقف في مراحل مختلفة لو توفرت الإرادة السياسية لتقديم مصلحة الوطن على حساب الحسابات السياسية والعسكرية.
واليوم يحاول الكيزان تقديم أنفسهم باعتبارهم حماة السودان، ويصورون الحرب وكأنها معركة للدفاع عن الوطن، بينما أرى أن جوهر الأزمة مختلف تماماً. فالقضية ليست مجرد صراع مع الدعم السريع، وإنما أزمة دولة تحتاج إلى إصلاح جذري، يبدأ ببناء جيش مهني واحد يحتكر السلاح، ويبتعد عن الانتماءات السياسية والحزبية.
إن أي مشروع حقيقي لبناء دولة مستقرة يقتضي إعادة هيكلة القوات النظامية ودمج جميع التشكيلات المسلحة في مؤسسة عسكرية وطنية واحدة. وهذا، في تقديري، هو ما تخشاه الحركة الإسلامية، لأن الجيش المهني لا مكان فيه للتمكين السياسي أو النفوذ الحزبي داخل المؤسسة العسكرية.
لقد نجح الخطاب التعبوي في إقناع كثير من السودانيين بأن من أوصل البلاد إلى هذه المرحلة هو نفسه القادر على إنقاذها. وهذه، في رأيي، واحدة من أخطر صور التضليل السياسي. فمن كان جزءاً من صناعة الأزمة لا يمكن أن يقدم نفسه باعتباره الحل من دون مراجعة حقيقية للماضي وتحمل المسؤولية.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس السلاح وحده، بل غياب الوعي. فالجهل يسمح بإعادة تدوير الأزمات، ويمنح الفشل فرصة جديدة ليرتدي ثوب البطولة. أما الوعي، فهو الذي يدفع الناس إلى محاسبة التجارب بنتائجها، لا بشعاراتها.
ولهذا أقول: الجهل عدونا الأول، لأنه يجعل الضحية تصفق لمن صنع مأساتها، وتنتظر الخلاص ممن كان سبباً في ضياع الوطن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.