التدخل العسكري الأممي هل بات المخرج الأخير لإنقاذ السودان من حرب شنها الإسلام السياسي؟
لنا مهدي
حين تعجز أدوات السياسة عن وقف نزيف الدم وتتحول المبادرات الإقليمية والدولية إلى بيانات متكررة لا تجد طريقها إلى التنفيذ يصبح السؤال عن التدخل الدولي أكثر حضوراً من أي وقت مضى وليس باعتباره رغبة في انتقاص سيادة الدول وإنما باعتباره محاولة أخيرة لإنقاذ شعب يدفع ثمن حرب مفتوحة تجاوزت حدود الصراع العسكري إلى كارثة إنسانية تهدد بقاء الدولة نفسها
لقد دخل السودان مرحلة لم يعد فيها المدنيون مجرد ضحايا جانبيين للحرب بل أصبحوا هدفاً مباشراً لنتائجها من حصار وتجويع ونزوح وانهيار للخدمات الأساسية وفي مثل هذه الظروف لا تعود السيادة مفهوماً قانونياً مجرداً إذا كانت السلطة الغاشمة القائمة عاجزة أو غير راغبة في حماية السكان أو في تهيئة الظروف لوصول المساعدات الإنسانية
منذ اندلاع الحرب تعاقبت مبادرات الوساطة وتعددت المنابر السياسية وطرحت أفكار لوقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية والدخول في عملية تفاوضية تنهي القتال غير أن غياب الإرادة السياسية والوازع الأخلاقي لدى جيش البرهان وكتائب الظل حال دون تحقيق اختراق حقيقي وأصبح المدني السوداني هو الخاسر الوحيد في معركة لا يملك قرار إشعالها ولا قرار إيقافها
وتبرز في هذا السياق الانتقادات الموجهة إلى قيادة جيش سلطة بورتسودان التي تسمي نفسها حكومة بقيادة عبد الفتاح البرهان بسبب رفضها المتكرر لمقترحات هدنة إنسانية دائمة تسمح بوصول الإغاثة إلى المناطق المنكوبة أو الانخراط في مسار تفاوضي يفضي إلى إنهاء الحرب وهو موقف أسهم في تعميق الأزمة الإنسانية وأثار انتقادات متزايدة من منظمات دولية وإنسانية اعتبرت أن استمرار تعطيل وصول المساعدات يضاعف معاناة ملايين المدنيين ويقوض أي فرصة لبناء الثقة بين أطراف النزاع
لكن الدعوة إلى تدخل عسكري أممي لا ينبغي أن تنطلق من منطق الانتقام السياسي أو الانحياز لطرف ضد آخر وإنما من منطلق قانوني وأخلاقي يستند إلى حماية المدنيين وفرض وصول المساعدات الإنسانية ووقف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني فالتدخل الذي يمنحه القانون الدولي مشروعية هو ذلك الذي تكون غايته حماية الإنسان وليس إعادة تشكيل موازين السلطة بالقوة
التجارب الدولية تقدم دروسا متباينة فهناك تدخلات نجحت في الحد من المجازر وتهيئة الظروف لتسويات سياسية كما حدث في بعض النزاعات الإفريقية وهناك تدخلات أخرى تحولت إلى أزمات طويلة بسبب غياب الرؤية السياسية التي تلي العمل العسكري ولهذا فإن أي تحرك أممي في السودان ينبغي أن يكون محدود الأهداف واضح التفويض مرتبطا بسقف زمني وتحت رقابة مجلس الأمن مع إعطاء الأولوية لحماية المدنيين وتأمين الممرات الإنسانية
كما أن نجاح أي تدخل لا يقاس بعدد القوات المنتشرة على الأرض بل بقدرته على فرض وقف إطلاق النار وتأمين الإغاثة وتهيئة بيئة تفاوضية تفضي إلى انتقال سياسي ينهي الحرب ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تحترم إرادة السودانيين
إن الخطر الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس في احتمال تدخل المجتمع الدولي بل في استمرار الحرب بلا أفق وفي تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للمجاعة والانهيار المؤسسي والتفكك الاجتماعي فكل يوم يمر من دون وقف للقتال يراكم خسائر يصعب تعويضها ويزيد كلفة السلام عندما يأتي
ولهذا فإن النقاش حول التدخل الأممي يجب أن يغادر الشعارات التقليدية التي ترفع السيادة في مواجهة المجتمع الدولي بينما تعجز عن حماية المواطن داخل الحدود فجوهر السيادة في نهاية المطاف هو صون حياة الناس وحماية كرامتهم وإذا أصبحت الحرب تهدد وجود الدولة نفسها فإن البحث عن آليات دولية تفرض السلام وتحمي المدنيين لم يعد ترفاً سياسياً بل خياراً يفرضه حجم المأساة ومسؤولية المجتمع الدولي تجاه شعب يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.