«دبلوماسية الشيكات».. هل تعيد الأموال رسم خريطة الحرب في السودان أم تعمّق الانقسام؟

تقرير | عين الحقيقة

أثار تقرير تحليلي نشره موقع Eurasia Review نقاشاً جديداً حول دور الأدوات الاقتصادية في الصراع السوداني، متناولاً ما وصفه بـ”دبلوماسية الشيكات”، في إشارة إلى استخدام الحوافز المالية للتأثير في موازين القوى العسكرية والسياسية داخل السودان. ويرى التقرير أن هذا النهج، إذا ثبتت صحة التقارير التي استند إليها، قد يحقق مكاسب تكتيكية على المدى القصير، لكنه يحمل في المقابل مخاطر استراتيجية قد تتمثل في تعقيد المشهد الأمني، وإطالة أمد الحرب، وإضعاف فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
انشقاقات بدعم مالي
وبحسب التقرير، فإن تقارير متداولة تحدثت عن دعم سعودي لجهود تستهدف استقطاب قادة ميدانيين من قوات الدعم السريع وتشجيعهم على الانضمام إلى القوات المسلحة السودانية، بهدف إضعاف البنية القيادية للدعم السريع وتقليص قدرته على مواصلة العمليات العسكرية. ولم يصدر تأكيد رسمي من المملكة العربية السعودية بشأن هذه المزاعم، كما لا تتوافر أدلة مستقلة تثبت جميع التفاصيل الواردة في التقرير. وكانت الرياض قد أكدت في مناسبات متعددة دعمها لجهود وقف إطلاق النار والحل السياسي في السودان، واستضافت مع الولايات المتحدة محادثات بين طرفي النزاع.
مكاسب قصيرة… وتعقيدات طويلة
ويرى التقرير أن الاعتماد على الحوافز المالية لتغيير الولاءات داخل الجماعات المسلحة قد يحقق نتائج عسكرية مؤقتة، لكنه قد يؤدي لاحقاً إلى ظهور مجموعات مسلحة مستقلة يصعب دمجها أو السيطرة عليها بعد انتهاء الحرب. ويقول باحثون في شؤون الأمن الإقليمي إن تجارب عدد من النزاعات الإفريقية أظهرت أن الانشقاقات المدفوعة بالمصالح الآنية قد تسهم في إضعاف أحد الأطراف مؤقتاً، لكنها لا تعالج جذور الصراع، بل قد تنتج فاعلين مسلحين جدد ذوي أجندات محلية مستقلة.
الولاءات أم بناء المؤسسات؟
يرى خبراء في إصلاح القطاع الأمني أن أي مقاربة تعتمد على إعادة توزيع الولاءات بدلاً من بناء مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة قد تزيد من تعقيد مرحلة ما بعد الحرب. ويشير مختصون إلى أن نجاح برامج دمج القوات يتطلب وجود رؤية سياسية شاملة، وأطر قانونية ومؤسساتية واضحة، وليس مجرد انتقال أفراد أو مجموعات من طرف إلى آخر. ويقول أحد الباحثين في قضايا التحول الأمني إن “إعادة تشكيل التحالفات العسكرية قد تغيّر موازين القوة في الميدان، لكنها لا تضمن قيام مؤسسة عسكرية مهنية ما لم تكن جزءاً من عملية إصلاح شاملة ومتفق عليها سياسياً”.
السودان… ساحة تنافس إقليمي
ويربط تقرير Eurasia Review بين هذه التطورات واستمرار التنافس الإقليمي حول السودان، معتبراً أن تعدد الأطراف الخارجية المنخرطة في الأزمة يجعل الصراع أكثر تعقيداً، ويزيد من احتمالات تحوله إلى ساحة تنافس بالوكالة. ويرى محللون في العلاقات الدولية أن استمرار تدفق أشكال مختلفة من الدعم الخارجي، سواء السياسي أو المالي أو العسكري، قد يطيل أمد النزاع إذا لم يترافق مع ضغوط متوازنة تدفع الأطراف نحو تسوية تفاوضية. ويضيف خبراء أن تجارب النزاعات الإقليمية تشير إلى أن التدخلات الخارجية غالباً ما تمنح أطراف الصراع قدرة أكبر على مواصلة القتال، وهو ما يؤخر فرص الوصول إلى حلول سياسية مستدامة.
تحديات ما بعد الحرب
ويحذر التقرير من أن تشجيع الانشقاقات داخل الجماعات المسلحة، حتى إذا حقق أهدافاً عسكرية آنية، قد يخلّف واقعاً أمنياً أكثر تعقيداً بعد انتهاء الحرب، مع احتمال بروز مجموعات مسلحة محلية تمتلك مصادر تمويل ونفوذاً مستقلاً عن مؤسسات الدولة. ويرى متخصصون في بناء السلام أن أخطر ما يواجه السودان بعد الحرب لن يكون وقف إطلاق النار فحسب، بل إعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، وإعادة دمج المقاتلين، ومنع تحول الفصائل المسلحة إلى مراكز نفوذ دائمة.
السلام أم إعادة تشكيل الصراع؟
ويخلص تقرير Eurasia Review إلى أن إنهاء الحرب في السودان يتطلب معالجة الأسباب السياسية والأمنية التي قادت إلى اندلاعها، من خلال تسوية شاملة تتضمن ترتيبات أمنية متفقاً عليها، وإصلاح مؤسسات الدولة، بدلاً من الاكتفاء بإعادة تشكيل التحالفات العسكرية أو استخدام الحوافز المالية لتغيير موازين القوى. ويرى محللون أن مستقبل السودان سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف الداخلية والإقليمية على الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التسوية، لأن أي مكاسب عسكرية مؤقتة قد تفقد قيمتها إذا أدت إلى إنتاج دورة جديدة من الانقسامات المسلحة، تؤجل السلام وتزيد من كلفة إعادة بناء الدولة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.