السعودية تلعب لعبة الوقت والمدد… كيف تحاول الرياض إعادة ترتيب موازين القوة قبل سلام السودان؟
طارق خاطر
في الوقت الذي تتكثف فيه التحركات الدولية لإطلاق عملية سياسية تنهي الحرب السودانية، تبدو المملكة العربية السعودية وكأنها تتحرك وفق إيقاع مختلف؛ فبدلاً من الدفع نحو تسوية عاجلة، تشير تطورات الأسابيع الأخيرة إلى أن الرياض تراهن على عامل الزمن لإعادة تشكيل موازين القوة على الأرض قبل الانتقال إلى أي مفاوضات نهائية. فالسلام، من هذا المنظور، لا يُصنع على طاولة التفاوض وحدها، وإنما يُعاد رسمه أولاً في ميادين القتال، ثم يُترجم لاحقاً إلى تفاهمات سياسية.
وتستند هذه المقاربة، وفق قراءة لمسار الأحداث، إلى قناعة بأن أي اتفاق يُبرم في ظل موازين القوى الحالية لن يمنح حليف الرياض، الفريق عبد الفتاح البرهان، القدرة على فرض رؤيته لمستقبل الدولة السودانية. لذلك يبدو أن الأولوية أصبحت تحسين موقعه العسكري والسياسي قبل الوصول إلى لحظة التسوية، حتى تأتي المفاوضات معبرة عن واقع جديد لا عن موازين الحرب التي استقرت خلال العامين الماضيين.
ولهذا لم يعد عامل الوقت مجرد نتيجة لاستمرار الحرب، بل تحول إلى أداة سياسية بحد ذاته. فكل شهر إضافي يمنح معسكر البرهان فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، واستيعاب خسائره، وتعزيز نفوذه داخل مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه محاولة إضعاف خصومه عسكرياً وسياسياً، بما يضمن دخوله أي عملية تفاوضية من موقع أكثر قوة.
وتتقاطع مع هذا المسار تطورات ميدانية لافتة. فبدلاً من تثبيت التهدئة غير المعلنة، شهدت الجبهات تصعيداً متواصلاً، تزامن مع محاولات لاستقطاب قيادات عسكرية وسياسية من معسكر قوات الدعم السريع وحلفائها، والعمل على إحداث انشقاقات داخل صفوفهم. ويُنظر إلى هذه التحركات باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لإعادة هندسة ميزان القوة قبل الانتقال إلى مرحلة التفاوض، وليس مجرد تطورات عسكرية معزولة.
وعلى المستوى الإقليمي، يبدو أن النشاط السعودي داخل المؤسسات الأفريقية أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالمواقف التي صدرت عن بعض الأطراف الإقليمية خلال الفترة الأخيرة بدت أقرب إلى الرؤية التي تتبناها سلطة بورتسودان، والتي تضع الاعتبارات الأمنية والعسكرية في مقدمة أولويات التسوية، قبل الانتقال إلى ترتيبات الحكم والانتقال السياسي.
كما أن خارطة الطريق التي تداولتها المجموعة الخماسية عكست، في نظر كثير من المراقبين، اتجاهاً يقترب من التصور الذي يدافع عنه معسكر البرهان، سواء في ترتيب أولويات المرحلة المقبلة أو في تقديم إعادة بناء مؤسسات الدولة على القضايا السياسية الأكثر تعقيداً. وبينما لا يوجد إعلان رسمي يربط هذه الرؤية بالموقف السعودي بصورة مباشرة، فإن تقاطع المسارات السياسية والإقليمية مع التحركات العسكرية يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول حجم النفوذ الذي باتت تمارسه الرياض في إدارة الملف السوداني.
ويبدو أن هذا المسار لا ينفصل عن التنافس الدولي حول مستقبل التسوية. فبينما دفعت الولايات المتحدة، عبر مبعوثها، نحو مقاربة أكثر شمولاً تضم مختلف القوى المدنية والعسكرية، تتحرك الرياض، بحسب هذه القراءة، لإنتاج تسوية أكثر انسجاماً مع أولوياتها الأمنية والإقليمية، بما يضمن بقاء حلفائها في موقع القيادة خلال المرحلة الانتقالية.
وإذا نجحت هذه المقاربة، فإن نتائجها لن تقتصر على إعادة رسم ميزان القوى بين الجيش والدعم السريع، وإنما قد تمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية بأكملها. إذ تذهب تقديرات عديدة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد عودة تدريجية لتيارات محسوبة على الحركة الإسلامية، ولكن بصيغ سياسية جديدة، أقل ارتباطاً بالبنية التنظيمية التقليدية، وأكثر اندماجاً داخل تحالفات مدنية أو حكومات تكنوقراط، بما يسمح بإعادة إنتاج نفوذها دون العودة إلى صورتها السابقة.
غير أن رهان كسب الوقت يحمل في المقابل كلفة باهظة. فكل تأخير في الوصول إلى وقف شامل للحرب يعني مزيداً من الضحايا، واتساع رقعة الأزمة الإنسانية، وتعميق الانقسام الاجتماعي، فضلاً عن احتمال أن تدفع حالة الجمود بعض القوى الدولية إلى تجاوز المسارات الإقليمية والبحث عن أطر تفاوضية بديلة إذا رأت أن عملية السلام أصبحت رهينة لحسابات إعادة ترتيب موازين القوة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة: هل تستطيع الرياض تحويل عامل الوقت إلى أداة تضمن لحلفائها سلاماً بشروط أفضل، أم أن إطالة أمد الحرب ستقود إلى تعقيد المشهد أكثر، بحيث يصبح أي اتفاق مستقبلي مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار السياسي ولا تمنعه؟ ذلك هو الرهان الحقيقي الذي ستحدد نتائجه شكل السودان في مرحلة ما بعد الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.