تسريبات : مشاورات الآلية الخماسية هُندست لتجاوز “صمود”.. فهل تنجح محاولة الالتفاف؟

أواب عزام البوشي

في تطور يكشف عن أبعاد جديدة للصراع حول مستقبل العملية السياسية في السودان، كشفت تسريبات سياسية عن وجود تحركات مكثفة خلف الكواليس لتمرير ترتيبات جديدة قد تُحدث شرخاً عميقاً في جهود إنهاء الحرب. وتشير المعلومات، وفقاً لمصادر مطلعة، إلى أن الاتحاد الأفريقي جامعة الدول العربية أعضاء الآلية الخماسية، شرعت في تصميم خارطة طريق جديدة تم التنسيق بشأنها مسبقاً مع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حتى قبل توجيه الدعوات الرسمية لباقي القوى السياسية.
وهذا ما أكدته التسريبات والتي كشفت أن العملية السياسية تم الإعداد لها مسبقاً دون إشراك أو مشاورة القوى المدنية، خاصة تحالف “صمود”. وهو ما يتطابق مع ما ورد في بيان “قوى إعلان المبادئ السوداني” الذي أكد إلى أن أجندة الاجتماع كانت محددة ومجهزة مسبقاً من قبل الآلية الخماسية،و أن الدعوة الحالية تمثل استمراراً لنهج يتجاوز القضايا الجوهرية، وسبق أن قدموا بشأنه ملاحظات وتحفظات لم تُستجب لها حتى الآن.
هذه التسريبات، التي تزامنت مع دعوة البرهان الأخيرة لحوار سوداني داخلي تؤكد وجود اتفاق مسبق على عقد جلسات التفاوض داخل السودان، وهو ما يُفسر الخطاب الداخلي الذي أطلقه البرهان قبل أيام بأن هناك عملية سياسية داخل السودان بالإضافة إلى الوثيقة المُسرَّبة من مكتب البرهان، التي حملت الملامح نفسها لأجندة الآلية الخماسية.. غير أن جوهر الإشكالية، يكمن في أن هذه الخطة الإقليمية تهدف بوضوح إلى تجاوز تحالف “صمود”، الذي يُشكل الكتلة المدنية الأبرز الرافضة للحرب والمطالبة بملكية سودانية خالصة للعملية السياسية.
خطة ممنهجة للالتفاف :-
المعطيات المتاحة تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد اختلاف في الرؤى، بل خطة مُمنهجة رُتبت لها أطراف إقليمية متحالفة مع البرهان، بالتنسيق مع قوى إسلامية في أسمرا. هذا المحور الإقليمي يسعى، وفقاً للتسريبات، إلى فرض واقع جديد يمنح شرعية للبرهان وقوى النظام السابق، عبر خلق واقع سياسي موازٍ يُقصي القوى المدنية المعارضة.
واللافت في الأمر أن هذه التحركات تتزامن مع مؤشرات على وجود قوى تنتمي للنظام السابق تشارك في المؤتمر الداخلي الذي دعت إليه الخماسية، وهو ما يعزز الشكوك حول نوايا هذه الخطة التي توصف بأنها محاولة “للالتفاف على صمود” وإفراغها من دورها كطرف رئيسي في أي تسوية مستقبلية.
موقف “صمود”.. خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح :-
في هذا السياق أن قرار تحالف “صمود” وقوى إعلان المبادئ السوداني بالاعتذار عن المشاركة في اجتماعات الآلية الخماسية المقرر عقدها في أديس أبابا، يُعتبر خطوة إيجابية، بل وضرورية لكشف حقيقة هذه المناورة السياسية. فالمقاطعة، التي جاءت بعد توجيه الدعوات لثلاثين شخصية بصورة فردية وتجاهل ملاحظات التحالف الجوهرية، وضعت الآلية أمام مسؤولياتها وكشفت أن الدعوة الحالية ليست سوى استمرار لنهج يتجاوز القضايا الجوهرية، مقدمته وقف الحرب والاتفاق على أسس العملية السياسية.
وأكدت “قوى إعلان المبادئ السوداني” في بيانها أن أي عملية سياسية جادة يجب أن تفضي إلى وقف الحرب، واستعادة النظام الدستوري، وإقامة نظام ديمقراطي مستدام، مع التشديد على أن تكون العملية سودانية الملكية والإرادة، يتولى السودانيون من خلالها تحديد أطرافها، وصياغة أجندتها، ورسم مساراتها، بعيداً عن أي ترتيبات تفرضها الجهات الراعية.
الموقف الدولي.. واشنطن بين الاتهامات والعقوبات :-
في قراءة المشهد من زاوية الموقف الدولي، يبرز موقف واشنطن كعامل لا يمكن تجاهله في حسابات أي عملية سياسية مقبلة. فالإدارة الأمريكية، التي تفرض عقوبات على البرهان منذ مايو 2025، تتهم الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب. وتشير تقارير إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية محظورة دولياً في أكثر من 11 منطقة، مع تحديد غاز الكلور كعامل مرجح في بعض الهجمات.
هذا الموقف يضع الآلية الخماسية أمام معضلة حقيقية: فمحاولة تمرير أي ترتيبات سياسية مع البرهان، في ظل استمرار اتهامات واشنطن له باستخدام أسلحة كيميائية وعلاقاته المتنامية مع إيران، قد تتعارض مع الموقف الأمريكي الرافض لإضفاء أي شرعية على قائد متهم بهذه الانتهاكات. وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة بعض الأعضاء في الآلية الخماسية على المضي قدماً في خطتها لتجاوز “صمود”، في ظل هذا المشهد الدولي المعقد.
هل تنجح محاولة الالتفاف على “صمود”؟
السؤال الأهم الآن: هل ستنجح هذه المحاولة الإقليمية في تجاوز “صمود” وفرض أمر واقع جديد؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.