النفاق الإلكتروني… جمهورية الأقنعة وانهيار المصداقية

بقلم: محمد أحمد الكاهلي

لم يعد الزيف يطرق الأبواب خجلًا فقد اقتحمها من أوسعها وجلس في صدارة المشهد وارتدى ثياب الفضيلة ثم خاطب الجماهير بلسان الواعظ. هكذا تبدلت الموازين في زمن المنصات حيث أصبحت الصورة تسبق الحقيقة وأضحى التصفيق في كثير من الأحيان أعلى صوتًا من الضمير.
في هذا الفضاء المفتوح لا يحتاج المرء إلى تاريخ ناصع ولا إلى مواقف راسخة حتى يُمنح صفة الحكيم يكفي أن يُحسن صناعة المشهد ويتقن هندسة الكلمات ويعرف كيف يستثمر العاطفة فيحصد الإعجاب حتى لو وقفت الحقيقة في الجهة المقابلة تنتظر من ينصفها
تحول النفاق الإلكتروني إلى صناعة متكاملة تُصقل فيها الوجوه وتُلمَّع فيها الصور وتُنتقى العبارات بعناية بينما تُخفى التناقضات خلف ستار من الخطب الرنانة والشعارات البراقة وما أكثر الذين يتحدثون عن المبادئ فإذا دعتهم المبادئ إلى دفع ثمنها غابت أصواتهم وانطفأت حماستهم واختبأوا خلف أعذار لا تنتهي.
وتزداد الخطورة حين تتحول ثقافة ادعاء المثالية إلى وسيلة للهروب من المحاسبة فما إن يُطرح سؤال مشروع أو يُوجَّه نقد مسؤول حتى تُرفع رايات المظلومية ويُستدعى التعاطف ويُصوَّر النقد على أنه مؤامرة والمساءلة على أنها إساءة فيختلط الحق بالباطل ويعلو الضجيج فوق صوت الحقيقة.
الإنسان الصادق لا يخشى الاعتراف بتقصيره فالاعتراف قوة والمراجعة شجاعة والتواضع رفعة أما من يصر على الظهور في هيئة المعصوم فهو يبني قصرًا من الزجاج تكفيه حقيقة واحدة حتى تتشقق جدرانه ويسقط أمام أول اختبار
أصبح كثيرون أسرى لمرآة الهاتف يقيسون قيمتهم بعدد الإعجابات ويزنون مكانتهم بحجم التفاعل حتى اختلط النجاح بالانتشار واختلط التأثير بالضجيج وتراجعت الحقيقة إلى الصفوف الخلفية.
غير أن الزمن لا يخدع والمواقف لا تعرف المجاملة فالأفعال تمنح الإنسان وزنه الحقيقي والسلوك يكتب السيرة التي لا تستطيع الكلمات تزويرها قد ينتصر القناع أمام الكاميرا لكنه يعجز عن الصمود أمام امتحان الأيام.
المجتمعات لا تحتاج إلى أبطال افتراضيين، تحتاج إلى رجال ونساء تتطابق أقوالهم مع أفعالهم ويؤمنون بأن النزاهة تثبتها المواقف وأن الأخلاق تُقاس بما يقدمه الإنسان للناس لا بما يكتبه عن نفسه.
ويبقى السؤال الذي لا تستطيع الأقنعة الهروب منه: ماذا يبقى من الإنسان إذا سقطت صورته المصنوعة؟ عندها لا تنفع البلاغة ولا تنقذ الشعارات أصحابها ولا يشفع التصفيق لمن خذلته مواقفه الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تغيب والتاريخ لا يخلّد أصحاب الضجيج بقدر ما يخلّد أصحاب المواقف التي بقيت شامخة عندما سقطت الأقنعة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.