ليس أخطر على السودان من أن يتحول الموت إلى عادة، والدم إلى خبر عابر، والخراب إلى مشهد مألوف، ثم يخرج علينا تجار الحرب بوجوههم الجامدة ليطلبوا من الناس أن يصفقوا للقتل باسم الوطن، وأن يقدسوا البندقية باسم الدين، وأن يعتبروا كل دعوة إلى السلام خيانة، وكل سؤال عن جدوى الحرب طعنًا في الوطنية!
هكذا تتحول الحروب من مأساة مؤقتة إلى صناعة، ومن جريمة إلى مشروع، ومن دماء الناس إلى سلعة سياسية يتكسب منها أصحاب السلطة والنفوذ. ولم يعد السؤال: من ينتصر في الحرب؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من الذي سيبقى إذا استمرت الحرب؟
إن الذين يتحدثون عن النصر صباح مساء، ماذا سيفعلون بنصرٍ لا يجد أهله وطنًا يعودون إليه؟ ماذا يفعل السودان بانتصار عسكري إذا كانت مدنه مدمرة، وقراه خاوية، وأطفاله في مخيمات النزوح، وشبابه بين القبور والخنادق والمنافي؟ أي انتصار هذا الذي يُطلب من الأم السودانية أن تزغرد له وهي تستقبل جثمان ابنها؟ وأي كرامة تلك التي يُطلب من النازح أن يتغنى بها وهو يحمل مفتاح بيته في يده، ولا يعرف إن كان سيعود إليه حيًا؟
السوداني لا يريد حرب كرامة.. بل يريد حياة كرامة. فيا قائد الجيش ورأسً السلطة القائمة، لا يمكنك أن تظل واقفًا فوق جبل من الجثث، ثم تتحدث عن الانتصارات وكأن الدم مجرد تكلفة جانبية في معركة طويلة. إنك مسؤول عن القرار الذي تتخذه، وعن الحرب التي تقودها، وعن كل روح تُزهق. والحاكم الحقيقي ليس من يعرف كيف يبدأ الحرب، بل من يعرف متى يوقفها. والقائد الحقيقي ليس من يرسل الشباب إلى الموت، بل من يعيدهم إلى أمهاتهم أحياء.
فيا قيادة الجيش: سيأتي يوم لا تنفع فيه البيانات العسكرية، ولا تنقذ فيه الرتب، ولا الألقاب أصحابها من سؤال التاريخ: ماذا فعلت حين كان الوطن ينزف؟ وهل كان بإمكانك أن توقف الحرب ولم تفعل؟ وكم إنسانًا أنقذت؟ فلا أحد يعرف ماذا سيكتب التاريخ عن المعارك التي خضتموها، لكن الجميع سيعرف عدد البيوت التي هُدمت، والأسر التي تفرقت، والأطفال الذين تيتموا، والنساء اللاتي فقدن أبناءهن وأزواجهن.
ويا من تريدون تحويل الحرب إلى عقيدة. وإلباسها ثوب الدين، وتبحثون عن فتوى تبرر القتل، فالسودان ليس حقلًا لتجاربكم، والدين ليس بندقية تُرفع في وجه الخصوم. لقد رأينا كيف استُخدمتم الدين ستارًا للسلطة، وكيف جرى باسم الشريعة تكميم الأفواه، وتخريب الحياة السياسية، وإقصاء الآخرين، ثم انتهى الأمر بالبلاد إلى هذا الخراب الذي نراه اليوم. وتريدون أن تعيدوا إنتاج المأساة نفسها، وأن تقنعوا الناس بأن استمرار الحرب هو الطريق إلى النجاة، وأن من يدعو إلى السلام عميل، ومن يرفض القتل جبان، ومن يسأل عن مصير الوطن خائن! أي دين هذا الذي يحتاج إلى كل هذا الدم كي ينتصر؟ وأي إيمان هذا الذي يخاف من السلام؟
إننا لا نحتاج إلى الفتاوى لتبرير سفك الدماء، ولا نحتاج إلى خطباء يرفعون معنويات المقاتلين، ولا إلى من يحولون العبث إلى معركة مقدسة لا يجوز فيها النقد ولا المراجعة. والدين ليس مطية لسلطة، والوطن ليس غنيمة لجماعة. ومن يقاتل من أجل السلطة فليقل للناس إنه يقاتل من أجل السلطة، ولا يختبئ خلف عباءة الدين. لأن الحرب حين ترتدي ثوب المقدس تصبح أكثر وحشية، ويصبح القتل فيها عبادة، والدم قربانًا للوطن! وهذا كذب على الدين والوطن والإنسان.
كفى يا تجار الحرب، الذين يعيشون على استمرارها، ويتغذون على الدم، ويصنعون من المآسي مجدًا شخصيًا، ومن الخراب نفوذًا، ومن موت الشباب سلّمًا إلى السلطة! كفى متاجرة بالدم. كفى استثمارًا في الخوف. كفى تحويل الموت إلى منصة سياسية. كفى خطابًا يحرّض. كفى شيطنة لمن يختلف معكم. كفى بيعًا للوهم تحت عنوان «النصر القريب». فكم من «نصر قريب» مرّ على السودان ولم يأتِ إلا بمزيد من المقابر؟ وكم مرة قيل إن المعركة الأخيرة قد اقتربت، ثم اكتشفنا أن المعركة الأخيرة لم تكن إلا بداية لمعركة جديدة؟ فالحرب التي تستمر بلا نهاية ليست حربًا من أجل الوطن؛ إنها حرب من أجل الحرب. ومن يرفض السلام يخشى أن يفقد نفوذه، أو سلطته، أو مصالحه، أو امتيازاته، وهو ليس حريصًا على الوطن، مهما أكثر من الحديث عن الوطنية.فلا تجعلوا السودان مقبرة للأحياء. ولقد آن لنا أن نتحرر من ما يجعلنا نرى أبناءنا يموتون ثم نصفق! آن لنا أن نرفض أن يتحول شبابنا إلى وقود لحروب لا تنتهي. آن لنا أن نسأل السؤال الذي يخشاه تجار الحرب: إلى متى سيظل الدم السوداني أرخص من الحسابات السياسية؟ إلى متى سيظل المواطن مطالبًا بأن يختار بين بندقية وبندقية؟ إلى متى سيُطلب من أن نثبت وطنيتنا بالموت؟ فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الشهداء. انه يحتاج إلى أحياء. يحتاج إلى معلمين يعودون إلى مدارسهم. وأطباء يعودون إلى مستشفياتهم. ومزارعين يعودون إلى حقولهم. وأطفال يعودون إلى مقاعد الدراسة. وأمهات لا يخشين طرقًا على الباب في منتصف الليل. فالسودان يحتاج إلى الحياة. والحياة لا تُبنى فوق فوهات البنادق. نحتاج إلى السلام… ونقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: نحن مع السلام. مع وقف الحرب. مع وقف نزيف الدماء. مع حماية المدنيين. مع محاسبة كل من ارتكب جرائم وانتهاكات، أيًا كان موقعه أو رتبته أو انتماؤه. مع دولة القانون. مع دولة المواطنة. مع دولة لا يحكمها السلاح، ولا تتحكم فيها الجماعات الدينية، ولا تُدار فيها البلاد بعقلية الغلبة والانتقام.
إن الدعوة إلى السلام ليست خيانة. والتفاوض ليس استسلامًا. ووقف إطلاق النار ليس هزيمة. بل قد يكون أعظم انتصار يمكن أن يحققه من يملك القرار. لأنك حين توقف الحرب، فإنك لا تنقذ خصمك وحده؛ بل تنقذ وطنك.
وحين تحقن الدماء، فإنك لا تمنح الحياة لمن معك فقط؛ بل تمنحها لمن معك ومن عليك. وهذا هو معنى المسؤولية. وهذا هو معنى القيادة. فأوقفوا شلال الدماء! يا قادة الجيش.. ويأيها الذين يدفعون الناس إلى الحرب من خلف الستائر.. ويا كل من يملك بندقية أو كلمة أو قرارًا: أوقفوا الحرب! أوقفوا هذا الشلال من الدماء التي تسيل أنهارًا قانية، وتروي أرض السودان الطيبة بما لا تستحقه من دم أبنائها. لقد شبعت الأرض من الدم. لقد امتلأت المقابر. لقد أنهك النزوح الناس. لقد تعب الأطفال من الخوف.لقد طال ليل السودان أكثر مما ينبغي. فماذا تنتظرون؟ هل تريدون وطنًا بلا شعب؟ هل تريدونه خريطةً من الخرائب، ثم يجلس المنتصرون فوق “تلها” ليحتفلوا؟ لا أحد ينتصر حين يموت الوطن. والذين يتحدثون عن النصر فوق الركام عليهم أن يتذكروا أن الركام لا يصنع دولة، وأن المقابر لا تبني مستقبلًا، وأن الجثث لا تصفق للمنتصرين.
لقد آن الأوان أن يتقدم صوت العقل على صوت البندقية. وأن يتقدم السلام على الحرب. فلنوقف النزيف قبل أن يصبح الدم قدرًا يوميًا لا يشعر به أحد. ولنرفض أن يكون أبناؤنا وقودًا لمعارك لا نعرف متى تنتهي. ولنرفض أن يكون الدين غطاءً للقتل. وأن يكون الوطن ذريعة لاستمرار السلطة. وأن يتحول السودان إلى مشروع دائم للحرب. إننا لا نريد انتصارًا على جثث السودانيين. نريد انتصارًا للسودانيين. لا نريد جيشًا ينتصر على شعبه. ولا سلطة تنتصر على وطنها. ولا جماعة تنتصر على دولة. نريد سودانًا ينتصر فيه الإنسان. نريد سودانًا يستطيع فيه الطفل أن يحلم دون أن يسمع صوت الرصاص. نريد سودانًا يعود فيه النازح إلى بيته، والمزارع إلى حقله، والمعلم إلى مدرسته، والطبيب إلى مستشفاه. نريد سودانًا لا يُسأل فيه الإنسان: مع من أنت؟ بل يُسأل: كيف نحفظ لك حقك في الحياة؟ فيا من تملكون قرار الحرب: امتلكوا شجاعة السلام. فليس أشجع من من يقول: كفى. كفى قتلًا، خرابًا، نزوحًا. وكفى متاجرة بالدين. ومتاجرة بالوطن. ومتاجرة بالدماء.
أوقفوا الحرب، قبل أن لا يبقى وطن ينتصر فيه أحد. فالسودان ليس ملكًا للبرهان. وليس ملكًا للإسلاميين. وليس ملكًا للجيش. السودان ملك لشعبه. وشعب السودان يستحق أن يعيش. يستحق الحرية. يستحق السلام. ويستحق أن تكون له حياة كرامة.. لا حرب كرامة.
وفي خاتمة هذا النزيف، نقولها بوضوح لا يحتمل المساومة: لقد جرّبنا الحرب، فماذا حصدنا غير الموت؟ وجرّبنا السلاح، فماذا ترك لنا غير الخراب؟ وجرّبنا فتاوى السلطان، فماذا أنجبت غير مزيد من الدماء؟ لقد آن لنا أن نجرب السلام. وأن نكتشف أن القوة ليست في القدرة على قتل الخصم، وإنما في القدرة على كبح الغضب، وأن أعظم انتصار ليس أن يسقط عدوك، بل أن تمنع سقوط إنسان آخر. فلنقلها اليوم، وغدًا، وبعد غد، حتى يسمعها الذين في القصور والخنادق والثكنات: لا للحرب! لا لتقديس السلاح! لا لتديين السياسة! لا لتحويل الشباب إلى وقود للمعارك! لا لتجارة الموت! نعم للسلام. نعم للحياة. نعم للحرية. نعم لوطن يتسع للجميع. نعم لسودان لا يُحكم بالبندقية، ولا يُدار بالفتوى، ولا يُبنى على جثث أبنائه. إن السلام ليس كلمة تُقال في المؤتمرات، بل شجاعة تاريخية تحتاج إلى رجال يملكون الجرأة على إيقاف الحرب حين يصبح استمرارها جريمة في حق الوطن. فيا من تملكون قرار الحرب: امتلكوا شجاعة السلام. ضعوا السلاح جانبًا، وافتحوا أبواب الحوار، وأوقفوا شلال الدماء.
اتركوا للأطفال حقهم في أن يكبروا دون أن يرثوا بندقية آبائهم. اتركوا للأمهات حقهن في أن ينتظرن أبناءهن أحياء. اتركوا للنازحين حق العودة. اتركوا للمدن حق الحياة. واتركوا لهذا الوطن فرصة أخيرة كي ينهض من تحت الركام. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من المنتصرين في الحرب، بل يحتاج إلى منتصرين على الحرب. وإذا كان لا بد أن نرفع راية واحدة فوق هذا الوطن، فلنرفع راية السلام.
وإذا كان لا بد أن نردد هتافًا واحدًا، فلنردد: أوقفوا الحرب.. أنقذوا السودان! فقد آن للدم أن يتوقف. آن للسيف أن يُغمد. آن للفتوى التي تبرر القتل أن تصمت. آن لتجار الحرب أن يسقطوا من ذاكرة هذا الشعب. آن للإنسان أن يتقدم على السلطة، وللوطن أن يتقدم على الجماعة، وللحياة أن تتقدم على الموت. ولنكتب من اليوم صفحة جديدة في تاريخ السودان: لا نريد أن ينتصر طرف على طرف، بل نريد أن ينتصر السودان على الحرب. لا نريد أن ينتصر السلاح، بل نريد أن ينتصر الإنسان. لا نريد حربًا تُسمى كرامة، بل نريد حياةً تحفظ كرامة الإنسان. فالسوداني يستحق أن يعيش حرًا كريمًا آمنًا في وطنه. ويستحق حياة كرامة.. لا حرب كرامة.
وهذه ليست دعوة للضعف، ولا استسلامًا، ولا هروبًا من المسؤولية. إنها دعوة إلى أعظم شجاعة يمكن أن يعرفها التاريخ: أن نختار الحياة حين يكون الموت أسهل. أن نختار السلام حين يكون الانتقام أقرب. أن نختار الإنسان حين يريد تجار الحرب أن يجعلوا منه وقودًا. فليكن هذا هو عهدنا: لن نورث أبناءنا بندقية.. بل نورثهم وطنًا. لن نورثهم ثأرًا.. بل نورثهم سلامًا. لن نورثهم مقابر.. بل نورثهم مستقبلًا. ولن نسمح بعد اليوم أن يكون دم السودانيين هو الحبر الذي تُكتب به بيانات النصر. فلنوقف الحرب.. قبل أن توقفنا الحرب. ولننتصر للسلام.. قبل أن ينتصر الموت علينا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.