في تطور يكشف عن أبعاد جديدة للصراع حول مستقبل العملية السياسية في السودان، كشفت تسريبات سياسية عن وجود تحركات مكثفة خلف الكواليس لتمرير ترتيبات جديدة قد تُحدث شرخاً عميقاً في جهود إنهاء الحرب.
وتشير المعلومات، وفقاً لمصادر مطلعة، إلى أن الاتحاد الأفريقي جامعة الدول العربية أعضاء الآلية الخماسية، شرعت في تصميم خارطة طريق جديدة تم التنسيق بشأنها مسبقاً مع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حتى قبل توجيه الدعوات الرسمية لباقي القوى السياسية.
وهذا ما أكدته التسريبات والتي كشفت أن العملية السياسية تم الإعداد لها مسبقاً دون إشراك أو مشاورة القوى المدنية، خاصة تحالف “صمود”.
وهو ما يتطابق مع ما ورد في بيان “قوى إعلان المبادئ السوداني” الذي أكد إلى أن أجندة الاجتماع كانت محددة ومجهزة مسبقاً من قبل الآلية الخماسية،و أن الدعوة الحالية تمثل استمراراً لنهج يتجاوز القضايا الجوهرية، وسبق أن قدموا بشأنه ملاحظات وتحفظات لم تُستجب لها حتى الآن.
هذه التسريبات، التي تزامنت مع دعوة البرهان الأخيرة لحوار سوداني داخلي تؤكد وجود اتفاق مسبق على عقد جلسات التفاوض داخل السودان، وهو ما يُفسر الخطاب الداخلي الذي أطلقه البرهان قبل أيام بأن هناك عملية سياسية داخل السودان بالإضافة إلى الوثيقة المُسرَّبة من مكتب البرهان، التي حملت الملامح نفسها لأجندة الآلية الخماسية.
غير أن جوهر الإشكالية، يكمن في أن هذه الخطة الإقليمية تهدف بوضوح إلى تجاوز تحالف “صمود”، الذي يُشكل الكتلة المدنية الأبرز الرافضة للحرب والمطالبة بملكية سودانية خالصة للعملية السياسية.
خطة ممنهجة للالتفاف :-
المعطيات المتاحة تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد اختلاف في الرؤى، بل خطة مُمنهجة رُتبت لها أطراف إقليمية متحالفة مع البرهان، بالتنسيق مع قوى إسلامية في أسمرا.
هذا المحور الإقليمي يسعى، وفقاً للتسريبات، إلى فرض واقع جديد يمنح شرعية للبرهان وقوى النظام السابق، عبر خلق واقع سياسي موازٍ يُقصي القوى المدنية المعارضة.
واللافت في الأمر أن هذه التحركات تتزامن مع مؤشرات على وجود قوى تنتمي للنظام السابق تشارك في المؤتمر الداخلي الذي دعت إليه الخماسية، وهو ما يعزز الشكوك حول نوايا هذه الخطة التي توصف بأنها محاولة “للالتفاف على صمود” وإفراغها من دورها كطرف رئيسي في أي تسوية مستقبلية.
موقف “صمود”.. خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح :-
في هذا السياق أن قرار تحالف “صمود” وقوى إعلان المبادئ السوداني بالاعتذار عن المشاركة في اجتماعات الآلية الخماسية المقرر عقدها في أديس أبابا، يُعتبر خطوة إيجابية، بل وضرورية لكشف حقيقة هذه المناورة السياسية.
فالمقاطعة، التي جاءت بعد توجيه الدعوات لثلاثين شخصية بصورة فردية وتجاهل ملاحظات التحالف الجوهرية، وضعت الآلية أمام مسؤولياتها وكشفت أن الدعوة الحالية ليست سوى استمرار لنهج يتجاوز القضايا الجوهرية، مقدمته وقف الحرب والاتفاق على أسس العملية السياسية.
وأكدت “قوى إعلان المبادئ السوداني” في بيانها أن أي عملية سياسية جادة يجب أن تفضي إلى وقف الحرب، واستعادة النظام الدستوري، وإقامة نظام ديمقراطي مستدام، مع التشديد على أن تكون العملية سودانية الملكية والإرادة، يتولى السودانيون من خلالها تحديد أطرافها، وصياغة أجندتها، ورسم مساراتها، بعيداً عن أي ترتيبات تفرضها الجهات الراعية.
الموقف الدولي.. واشنطن بين الاتهامات والعقوبات :-
في قراءة المشهد من زاوية الموقف الدولي، يبرز موقف واشنطن كعامل لا يمكن تجاهله في حسابات أي عملية سياسية مقبلة.
فالإدارة الأمريكية، التي تفرض عقوبات على البرهان منذ مايو 2025، تتهم الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب.
وتشير تقارير إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية محظورة دولياً في أكثر من 11 منطقة، مع تحديد غاز الكلور كعامل مرجح في بعض الهجمات.
هذا الموقف يضع الآلية الخماسية أمام معضلة حقيقية: فمحاولة تمرير أي ترتيبات سياسية مع البرهان، في ظل استمرار اتهامات واشنطن له باستخدام أسلحة كيميائية وعلاقاته المتنامية مع إيران، قد تتعارض مع الموقف الأمريكي الرافض لإضفاء أي شرعية على قائد متهم بهذه الانتهاكات.
وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة بعض الأعضاء في الآلية الخماسية على المضي قدماً في خطتها لتجاوز “صمود”، في ظل هذا المشهد الدولي المعقد.
هل تنجح محاولة الالتفاف على “صمود”؟
السؤال الأهم الآن: هل ستنجح هذه المحاولة الإقليمية في تجاوز “صمود” وفرض أمر واقع جديد؟
الإجابة – من وجهة نظري تعتمد على عدة عوامل :
أولاً: تماسك الكتلة المدنية
نجاح خطة الالتفاف مرهون بمدى قدرة الأطراف الإقليمية على استقطاب قوى مدنية أخرى أو خلق انقسامات داخل صفوف المعارضة.
لكن التماسك الذي أظهرته “قوى إعلان المبادئ” في بيانها الرافض للدعوة، يُشير إلى وعي متزايد بهذه المخاطر، وإصرار على عدم القبول بأي مسار يُقصيها.
ثانياً: الموقف الدولي، خصوصاً واشنطن
كما أشرنا، فإن واشنطن التي تتصدر الموقف الدولي في اتهام البرهان باستخدام الأسلحة الكيميائية، لن تقبل بسهولة بوجود شخصية متهمة بهذه الانتهاكات على رأس أي ترتيبات سياسية، خاصة مع استمرار رفض البرهان إجراء تحقيق دولي مستقل في هذه الاتهامات.
هذا الموقف الأمريكي قد يُشكل عائقاً كبيراً أمام محاولات الالتفاف على “صمود”.
ثالثاً: الموقف الإقليمي
الاتهامات التي سبق أن أطلقها تحالف “صمود” في بيانات سابقة للاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية بالانحياز لحكومة بورتسودان، تضع الآلية الخماسية في موقف حرج.
فأي خطوة تُتخذ دون مشاركة “صمود” ستُقرأ في المحافل الدولية كمحاولة لتكريس أمر واقع لا يحظى بقبول شعبي، وتُؤكد صحة تلك الاتهامات السابقة.
رابعاً: تهيئة المناخ الداخلي
إلى أن أي إجراءات للتفاوض يسبقها بالضرورة عملية تهيئة مناخ داخلي تسمح بعودة القوى السياسية ووقف الحرب.
وهنا يكمن التحدي الأكبر للبرهان وحلفائه: فبدون مشاركة “صمود” والقوى المدنية الرافضة للحرب، فإن أي عملية سياسية ستكون منقوصة وستفتقر إلى الحد الأدنى من القبول الشعبي والدولي.
اتهامات سابقة للاتحاد الأفريقي بالانحياز :-
تصاعدت الانتقادات للاتحاد الأفريقي في بيانات سابقة لتحالف “صمود”، الذي اتهمه إلى جانب أكثر من 100 قوة سياسية ومدنية -بـ”الانحياز الفاضح” لحكومة بورتسودان، مشيراً إلى تصريحات رئيس المفوضية محمود علي يوسف التي رحبت بـ”رؤية سلطة بورتسودان” ووصفتها بأنها “إطار شامل” لإنهاء الحرب.
واعتبرت القوى المعارضة في بياناتها السابقة أن هذا الترحيب يُشكل “انحرافاً صارخاً” عن حيادية الوسيط، ويمنح شرعية غير مستحقة لأحد أطراف الحرب، خاصة وأن الاتحاد مجمد لعضوية السودان منذ انقلاب 2021 ولا يعترف رسمياً بأي حكومة شرعية فيه.
وما تؤكده التسريبات الحالية حول تصميم العملية مسبقاً في القاهرة دون مشاورة “صمود”، يُعزز هذه الاتهامات السابقة ويُثبت صحتها.
ما ترسمه التسريبات من صورة حول اجتماعات أديس أبابا محاولة ممنهجة لتجاوز الإرادة السودانية الخالصة وفرض حلول إقليمية، تخدم أجندة طرف على حساب الآخر.
ورغم أن محاولة الالتفاف على “صمود” قد تحقق بعض المكاسب التكتيكية على المدى القصير، إلا أنها في غياب توافق وطني حقيقي، وفي ظل موقف دولي، واشنطن، الرافض لإضفاء شرعية على قائد متهم باستخدام أسلحة كيميائية وله علاقات مع إيران محكوم عليها بالفشل في تحقيق الهدف الأسمى: وقف الحرب وبناء سلام مستدام.
ويبقى الرهان الأكبر على وعي القوى الإقليمية والدولية بأن الحل في السودان لن يمر عبر “تجاوز” أحد، بل من خلال عملية سياسية شاملة، يمتلكها السودانيون بأنفسهم، بعيداً عن أي ترتيبات تُفرض من الخارج.
كما يبقى على تحالف “صمود” أن يكون جاهزاً لخطوات تصعيدية إذا تم تجاوزه، والاستعداد لأي محاولة لإعطاء شرعية للبرهان وقوى النظام السابق، مع التمسك بموقفه المبدئي الرافض لأي حلول منقوصة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.