ليس أسوأ على دولة أنهكتها الحرب من أن يفقد المواطن ثقته في العدالة، وليس أخطر على مؤسسة القضاء من أن تصبح هي نفسها موضوعاً لاتهامات تتعلق بالمال والنفوذ واستغلال السلطة.
التقرير الاستقصائي الذي أعدته المدافعة عن حقوق الإنسان رحاب مبارك سيد أحمد، وما تضمنه من اتهامات تطال مسؤولاً بإدارة الخدمات في السلطة القضائية التابعة لحكومة بورتسودان بشأن السيطرة على أصول واستثمارات تابعة للمؤسسة، قُدرت قيمتها في التقرير بنحو 16 تريليون جنيه سوداني، ليس خبراً ينبغي أن يمر في الهامش، ولا قضية يمكن دفنها تحت ركام الحرب.
إنها اتهامات شديدة الخطورة، وتحتاج بطبيعة الحال إلى تحقيق مستقل وشفاف قبل الجزم بثبوتها أو تحديد المسؤولية الجنائية لأي شخص. لكن مجرد طرح ملف بهذا الحجم يضع السلطة القضائية والجهات الرقابية أمام امتحان لا يحتمل الصمت.
فالحديث هنا ليس عن مؤسسة هامشية، وإنما عن بيت العدالة نفسه.
كيف يُطلب من المواطن أن يثق في القضاء، وأن يلجأ إليه شاكياً من الفساد والاعتداء على المال العام، بينما تُثار داخل المؤسسة التي ينتظر منها الإنصاف شبهات بهذا الحجم ولا يجد أمامه إجابات واضحة؟
هذه هي المعضلة.
فالعدالة لا يمكن أن تعمل بنظام: حاسبوا الآخرين ولا تسألونا عما يحدث داخل مؤسساتنا.
16 تريليوناً.. الرقم وحده يستوجب التحقيق
حين يرد في تحقيق صحفي رقم يناهز 16 تريليون جنيه باعتباره قيمة أصول واستثمارات محل اتهامات بالسيطرة عليها، فإن الرد المسؤول لا يكون بالتجاهل أو مهاجمة من أثار القضية.
الرد يبدأ بالسؤال: ما حقيقة هذه الأصول؟ ومن يديرها؟ وكيف تُدار؟ وأين حساباتها؟ وما الجهات المخولة بالتصرف فيها؟ وهل خضعت للمراجعة؟ وما الذي يثبت أو ينفي الاتهامات الواردة في التحقيق؟
هذه أسئلة لا تحمل حكماً مسبقاً بالإدانة، لكنها تصبح واجبة عندما يتعلق الأمر بأموال وأصول عامة.
وإذا كانت المعلومات الواردة في التحقيق غير صحيحة، فلتخرج المؤسسة بالوثائق والأرقام وتفندها. أما إذا كانت هناك مخالفات، فلا ينبغي أن تكون صفة المسؤول أو موقعه داخل مؤسسة العدالة حصانة ضد التحقيق.
من يحاسب من اختيروا للمحاسبة؟
السؤال الأكثر إيلاماً ليس فقط: هل حدث فساد؟
السؤال هو: ماذا يحدث للدولة عندما تطال شبهات الفساد مؤسسة أُنشئت أصلاً لمحاسبة الفاسدين؟
القاضي والنيابة وأجهزة العدالة ليسوا مجرد موظفين في جهاز حكومي؛ إنهم يمثلون آخر باب يطرقه المواطن عندما تُغلق أمامه أبواب الدولة.
وعندما تهتز الثقة في هذا الباب، تصبح الأزمة أكبر من الأموال نفسها.
يمكن للدولة أن تعوض مبنى دُمّر، ويمكنها إصلاح طريق، وربما تستطيع بعد سنوات استعادة اقتصاد انهار، لكن إعادة الثقة في القضاء بعد تدميرها عملية أكثر صعوبة.
فالناس قد تتحمل الفقر، لكنها لا تستطيع بناء دولة إذا اقتنعت بأن القانون شديد على الضعفاء ولين أمام أصحاب النفوذ.
الحرب ليست ستاراً للمال العام
لقد أصبحت الحرب السودانية شماعة جاهزة لتعليق كل شيء عليها: انهيار الخدمات، غياب الرقابة، تعطيل المؤسسات، ضعف الشفافية، وتأخر المحاسبة.
لكن الحرب لا تمنح أحداً رخصة للتصرف في المال العام بعيداً عن الرقابة.
بل العكس هو الصحيح.
في زمن الحرب، عندما تصبح الموارد شحيحة ويعيش ملايين السودانيين ظروفاً اقتصادية قاسية، تصبح حماية كل جنيه من المال العام مسؤولية مضاعفة.
وإذا كانت مؤسسات حكومة بورتسودان تريد إقناع السودانيين بأنها تدير دولة وليست مجرد سلطة حرب، فعليها أن تثبت ذلك عندما تظهر مثل هذه الملفات.
الدولة لا تثبت وجودها بالبيانات العسكرية وحدها، وإنما بقدرتها على فتح ملفات الفساد حتى عندما تقود تلك الملفات إلى داخل مؤسساتها الأكثر حساسية.
أمام السلطة القضائية فرصة واضحة: فتح تحقيق مهني ومستقل في كل ما ورد، وإعلان نتائجه للرأي العام، وتمكين المراجعة القانونية والمالية من الوصول إلى الوثائق والحسابات ذات الصلة.
وهنا تحديداً يظهر الفارق بين دولة المؤسسات ودولة الحصانات.
دولة المؤسسات تقول: هاتوا الأدلة ولنحقق.
أما الدولة التي تخشى الحقيقة فتسأل أولاً: من الذي تجرأ على الكلام؟
وما طرحته رحاب مبارك سيد أحمد، ينبغي أن يُقابل بتحقيق مؤسسي، لا بحرب روايات. فالصحفي أو المدافع عن حقوق الإنسان ليس بديلاً عن النيابة والمحكمة والمراجع العام، لكنه يستطيع أن يضيء المنطقة التي ينبغي لهذه المؤسسات أن تدخلها.
والمطلوب الآن بسيط وواضح: نشر الحقائق. العدالة تبدأ من داخل بيتها، ولا يمكن بناء سودان جديد بقضاء تحيط به الأسئلة ولا يجيب عنها، ولا يمكن مطالبة المواطن باحترام مؤسسات الدولة بينما لا تخضع تلك المؤسسات للمبدأ نفسه الذي تطالب الناس باحترامه: لا أحد فوق القانون.
لا بد أن تكون المحاسبة بحجم المسؤولية، لأن الفساد داخل مؤسسة العدالة – إن ثبت – ليس مجرد اعتداء على المال العام؛ إنه اعتداء على ثقة الناس في الدولة نفسها.
السوداني الذي أنهكته الحرب والجوع والنزوح لا يحتاج إلى خطبة جديدة عن النزاهة. يريد أن يرى النزاهة وهي تعمل.
يريد أن يعرف أين ذهبت أموال مؤسساته، ومن يدير أصولها، ومن يراقب المسؤولين عنها، ومن يملك سلطة محاسبتهم.
فإذا كان من اختيروا لتحقيق العدالة غير قادرين على تنظيف بيت العدالة من الشبهات، فكيف سيقنعون شعباً بأكمله بأن القانون قادر على تنظيف الدولة؟ افتحوا الملف. انشروا الحسابات. حققوا في الاتهامات. أعلنوا النتائج. لأن السؤال لم يعد متعلقاً بمسؤول واحد أو بأصول تقدر بتريليونات الجنيهات.
السؤال الذي أصبح أمام السودانيين أخطر بكثير: إذا دخل الفساد – أو حتى الشك الجدي فيه – إلى بيت العدالة، فمن بقي ليحاسب الفاسدين؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.