فى أزمنة الحروب والأبتلاءات لا يكون الخطر فى صوت المدافع والدانات وحدها بل فى الخطاب الذى يمنحها الشرعية خاصة إذا اتى من رجل يظنه الناس انه من اهل العلم والتفقه فى الدين ..
فى خضم حرب معقدة متعددة الأسباب سياسية وعسكرية وإقتصادية أختصرها أحد المنتفعين من استمرارها بقوله ان سببها محاربة اهل السودان لله ..إذا سلمنا على سبيل الجدلية بصحة مقولته فأن اول متهم فى هذه الحرب هو المشروع الذى حكم السودان لثلاث عقود باسم الله .. هذا الجيل الذى يحمل السلاح ويتقاتل اليوم لم يهبط من السماء بل هو الجيل الذى نشأ وترعرع فى ظل ما سمى بالمشروع الحضارى وبرامج تأصيل المجتمع التى ابتدعها على عثمان .. جيل ولد وتلقى تعليمه فى مدارسه واستمع الى خطابه واناشيده وتشكل وعيه تحت سلطته وعاش كل سنوات عمره فى ظل دولة كانت تزعم بانها تطبق شرع الله وخليفة حاكمية الله فى الأرض ..
إذا أدعاء هذا الشيخ بان هذا الجيل يحارب الله فهذه ليست إدانة لهذا الجيل بل هى شهادة وفاة للمشروع نفسه .. مشروع الترابى وتلميذه الذى تمرد عليه وعدنا بإقامة دولة السودان العظمى فانتهى مشروعهم الى دولة الهياكل العظمى .. وعدونا بإقامة دولة العدل وتوحيد الأمة فإذا بها تنتهى الى دولة الولاء والتمكين والفساد وهدم المؤسسات وزرع الأنقسام فى كل مفاصل المجتمع ..
بشرونا بإقامة دولة الحق وإعلاء قيم الدين فانتهت بجعل الدين مطية ودرع لحماية اهل السلطة وسيفا فى مواجهة الخصوم .. حولوا الدين من منظومة أخلاقية تقوم على العدل والرحمة والمحاسبة الى خطاب سياسي يمنح الشرعية للحاكم ويجرم معارضيه .. واصبح بعض رجال الدين موظفين تخت امرة السلطة يبررون السياسات بدلا عن المحاسبة واصبحت مهامهم تنحصر فى الدفاع عن السلطان لا عن الحق .. الحقيقة التى يغفل عنها اصحاب المنفعة عمدا ان الحرب لم تبدأ لان الناس اعلنوا الحرب على الله وانما لأن الدولة اضعفت عمدا ولأن السلاح خرج من يد المؤسسات ولأن منطق القوة غلب على منطق القانون , ولأن إدارة الأزمات كانت تقوم على صناعة مراكز قوة متنافسة بدل بناء مؤسسات دولة وطنية وقوية تردع كل من تسول له نفسه التلاعب بمصير الناس .. المليشيات لا تنبت من الأرض بل كونت وقننت ومولت بقرار وإرادة سياسية ..
وتم استخدام هذه المليشيات ولا زال لتنفيذ اهداف سياسية .. عندما تتمرد هذه المليشيات وترتكب الجرائم فأن المسئولية الأولى تقع على من انتجها وسمح بتمددها وجعلها جزء من معادلة الحكم .. هذه هى الحقيقة التى يعلمها مشايخ السلطان ويغفلون عنها ارضاء للحاكم .. اهل السودان كانوا يتمنون فعلا مشروعا حضاريا ثمرته مؤسسات مستقلة وقضاء عادل ووطن موحد واقتصاد منتج ومواطنين يرون فى القانون مرجعية يتساوى امامها كل اهل السودان .. لكن وللأسف ما تبقى بعد ثلاث عقود من هذا المشروع دولة منهكة ومجتمع ممزق فاقد لتجانسه واقتصاد متداع وصراع على السلطة قاد البلاد الى حرب قضت على مكتسبات اهل السودان ..
وظيفة رجل الدين الحقيقى ليست تبرئة السلطان وتبرير افعاله بل وجب عليه ان يذكره بان السلطة امانة وان كل قرار يقضى الى سفك الدماء او اضعاف الدولة سيبقى موضع مساءلة امام التاريخ وامام القضاء وامام الله قبل كل شىء .
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.