يا لها من مأساةٍ سودانيةٍ كاملة الأركان! بلدٌ ينزف من كل ناحية، وشعبٌ تفرّق في المنافي والمعسكرات والمدن، وبيوتٌ أكلتها الحرب، وأجيالٌ مهددة بأن ترث الخراب بدل المدارس والمستشفيات؛ ثم يخرج علينا قومٌ، في حالةٍ هستيريةٍ تكاد تُعجز الطبيب المعالج، يصرخون صباح مساء: «جيش واحد، شعب واحد، خلف القائد!»
كأن السودان قد فرغ من مشكلاته كلها، ولم يبقَ له إلا أن يبحث عن مكانٍ مناسب يقف فيه خلف القائد!
يا للحسرة! إنها ليست مشكلة البرهان وحده، وإنما مشكلة الذين جعلوا من البرهان فكرة، ومن الفكرة صنمًا، ومن الصنم وطنًا، ثم طالبوا الشعب بأن يسجد للوطن! وهنا تبدأ الكارثة. فحين يصبح القائد عند بعض الناس فوق السؤال، وفوق النقد، وفوق المحاسبة، وفوق احتمال الخطأ، فإننا لا نكون أمام وطنية، وإنما أمام عودةٍ مقنّعة إلى عبادة الفرد.والعبودية لا تصبح حرية لمجرد أن العبد يرفع صوته وهو يهتف! «جيش واحد، شعب واحد، خلف القائد!»
يا قوم! الجيش مؤسسة، والبرهان فرد. فكيف صار الفرد هو المؤسسة، وصارت المؤسسة هي الفرد، وصار من يرفض الفرد متهمًا بأنه يرفض الجيش، ومن ينتقد القيادة متهمًا بأنه ضد الوطن؟! هذه هي اللعبة القديمة نفسها: تقديس الشخص حتى يصبح نقده جريمة، ثم تقديس المؤسسة حتى تصبح حماية الشخص واجبًا. ولكننا نسأل ببساطة لا تحتاج إلى رتبة عسكرية: خلف القائد إلى أين؟ إلى السلام أم إلى استمرار الحرب؟ إلى دولة القانون أم إلى دولة الأوامر؟ إلى الديمقراطية أم إلى حكم الفرد؟ إلى سودانٍ يسع الجميع أم إلى سودانٍ يُطلب فيه من الجميع أن يصفقوا؟ فإن كان الجواب مجهولًا، فما قيمة أن نعرف اسم القائد؟
يا أهلنا الذين يصرخون «خلف القائد»! هل سألتم أنفسكم يومًا: ماذا لو كان القائد نفسه يحتاج إلى من يقوده نحو السلام؟ ماذا لو كان أعظم انتصار يمكن أن يحققه ليس أن يهزم خصمه، وإنما أن يوقف نزيف الدم؟ ماذا لو كان النصر الحقيقي أن يعود النازح إلى بيته، والطفل إلى مدرسته، والمريض إلى مستشفاه، والمزارع إلى أرضه، والناس إلى حياتهم؟ أم أن هذه الأشياء صارت، في زمن الهوس السياسي، أهدافًا صغيرة لا تليق بعظمة «الانتصار»؟ لقد أصبحنا نسمع عن الانتصارات أكثر مما نرى آثارها. كل يوم انتصار! ولكن أين هو السودان الذي انتصر؟ أين المواطن الذي يريد أن ينام دون أن توقظه المدافع؟ أين المدينة التي عاد إليها أهلها؟ أين المدرسة التي فتحت أبوابها؟ أين المستشفى الذي عادت إليه الحياة؟ أين الاقتصاد الذي يعطله “فكي” جبريل؟ أين الأمن الذي أصبح يبدع في تأمين انتشار المخدرات؟ أين الدولة؟ أم أن الانتصار الجديد هو أن نعلن انتصارًا جديدًا؟ وهكذا تتحول الحرب من مأساة إلى نشرة أخبار، ومن نشرة أخبار مضللة إلى عقيدة، ومن العقيدة إلى هتاف.
أما أولئك الذين ينتظرون من البرهان خيرًا في الإقليم، فليسمحوا لنا بشيءٍ من السخرية.يا سادة! لا تجعلوا البرهان مشروع خلاصٍ إقليميًا! الرجل ليس موسى الذي سيشق البحر، ولا المهدي الذي سينزل على السودان ليخرجنا من الظلمات إلى النور، ولا يحمل في جيبه خريطة سرية إلى جنة الاستقرار! إنه قائدٌ عسكري في قلب أزمةٍ سودانيةٍ بالغة التعقيد، وليس «مفتاح السودان» الذي إذا عُثر عليه انفتحت أبواب السلام تلقائيًا. وما أعجب من ينتظر الخير من رجلٍ واحد في بلدٍ دفع ثمنًا فادحًا لتجارب الرجل الواحد! لقد جرب السودان أن يضع مصيره في يد الفرد، فعرف إلى أين يقود ذلك. ثم جاء من يريد أن يعيد التجربة، لكن بعباراتٍ جديدة: «القائد الضرورة». «القيادة الحكيمة». «خلف القائد». وكلها، في جوهرها، موسيقى مختلفة للحنٍ واحد: لا تسألوا! وهذه تحديدًا هي الكلمة التي يجب أن نرفضها. إن فكرة القيادة لا تقوم على الإنسان الذي يُطلب من الناس أن يتبعوه، وإنما على الإنسان الذي يُطلب منه أن يرتفع بعقله حتى لا يكون تابعًا لأحد. ومن هنا فإننا لا نريد للسوداني أن يستبدل عقلًا مستنيرًا بهتافٍ جماعي، ولا أن يستبدل الحرية السياسية بقداسة عسكرية. نريد إنسانًا يستطيع أن يقول: أحترم الجيش، لكنني لا أعبد قائده. أحترم الوطن، لكنني لا أقبل أن يُختزل في شخص. أرفض المليشيا، لكنني لا أقبل أن تصبح الدولة نفسها مليشياوية في التفكير. أريد جيشًا واحدًا، نعم؛ لكنني أريد معه دولةً واحدة، وقانونًا واحدًا، وحريةً واحدة، وسلامًا واحدًا يشمل الجميع.والحقيقة التي يخشاها الهتافون هي أن البرهان، مثل غيره، ليس قدر السودان. والسودان الذي نريد لا ينبغي أن يكون خلف أي رجل. بل ينبغي أن يكون أمام نفسه. فإذا كان البرهان يريد أن يدخل التاريخ، فليس عليه أن يطلب من الناس أن يهتفوا باسمه. ليترك التاريخ يحكم عليه. والتاريخ لا يقرأ الهتافات. التاريخ يقرأ النتائج. لا تعنيه كثرة ترداد «جيش واحد، شعب واحد». إنما تعنيه حياة الشعب نفسه.
يأيها المضلَّلون الذين تهتفون للقائد حتى تكادوا تجعلون من حناجركم ثكنات! خففوا قليلًا من الهتاف، وزيدوا قليلًا من التفكير. فالجيش لا يحتاج إلى عبادة. والقائد لا يحتاج إلى تأليه. والوطن لا يحتاج إلى جوقة. الوطن يحتاج إلى عقل. والسودان لا يحتاج إلى رجلٍ يُقال له: «نحن خلفك». السودان يحتاج إلى شعبٍ يستطيع أن يقول لأي قائد: نحن معك حين تكون مع السودان، ولسنا معك حين يصبح السودان هو الثمن. فالسودان يحتاج إلى من يفتح له الطريق أمامه. وهذا الطريق لن يُفتح بالهتاف. بل بالعقل، والحرية، والسلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.