هروب من “دار الإيمان” إلى “دار العلمانية”: من يخدع من؟

 حسن عبد الرضي

 

تخيل معي هذا المشهد التراجيدي: أكثر من ٤٥ ألف نسمة. معظمهم شباب في عمر الورد. يحطمون سياجاً ويعبرون البحر من المغرب إلى إسبانيا بملابسهم فقط. لا طعام، لا مال، لا ضمان. يركبون الموت في قوارب المطاط، ويصلون الشاطئ الآخر وهم يضحكون ويبكون من الفرح.

إلى أين يذهبون؟ إنهم ذاهبون إلى “بلاد الكفر والإلحاد والعلمانية”. هاربون من “دولة الشريعة والخلافة وحكم الشيوخ”.

هاربون من وطن تُباع فيه العدالة في سوق النفاق. من وطن التوريث وحكم الفرد، ومعالجة الفقر بالبخور، ورد المطلقة بالفتوى، وتفسير النفاس بالسياسة. إنهم هاربون من منطق “المجد للبندقية” و “حرمة الخروج على الحاكم” حتى لو جلد ظهرك وأكل مالك.

 

والسؤال الذي يفضحنا، بعد كل هذا أن تخرج علينا أبواق التجهيل لتسأل بوقاحة: هل هؤلاء الشباب كفار وعملاء ومتعاونون مع الغرب؟

أم أننا نحن الكفار والعملاء… عملاء الكذب على الله وعلى الناس؟ وأيُّ دينٍ هذا الذي يفر منه أبناؤه أفواجاً؟ أي “عدالة” هذه التي يجعل الناس البحر أرحم من برها؟ وأي “خلافة” يختار الشباب عليها حضارة لا تعرف اسمه ولا دينه، فقط لأنها تحترم إنسانيته؟

 

الحقيقة المرة، أنهم لم يهربوا من الإسلام. هم هربوا من تجار الدين. هربوا من فقه “السمع والطاعة” الذي صنع طغاة. هربوا من شيوخ يفسرون الحيض والنفاس ويصمتون عن الفساد. هربوا من وطن تحولت فيه الشريعة إلى عصا، والعدالة إلى شعار، والوطن إلى ضيعة. ذهبوا إلى “دار العلمانية” لأنهم وجدوا فيها ما افتقدوه عندنا: قانون يحمي الضعيف، وفرصة بلا واسطة، وكرامة لا تُشترى بفتوى. ذهبوا يبحثون عن خبز وماء وحرية… فوجدوها عند “الملحدين”.

 

والخلاصة، يقولها الواقعة بصفعة قوية علها توقظنا من هذا السبات الطويل: لا تكذبوا على أنفسكم. إن الشباب الذين عبروا البحر لم يرتدوا. بل نحن الذين عجزنا عن فهم معنى الدين. تقاعسنا عن العدل فصرنا ظالمين. عجزنا عن الرحمة فصرنا جلادين. ارتعبنا عن الديمقراطية فصرنا قطيعاً. إذا كان الإيمان يطرد الناس، والعلمانية تحتضنهم… فراجعوا إيمانكم قبل أن ترموا الناس بالكفر والعمالة. فوالله ما خسرنا الأوطان إلا يوم صدقنا أن “التدين” صراخ في المنابر، وأن “العدالة” خطبة. وإلى أن نفيق، سيظل البحر هو طريق الهجرة الوحيد من “دار النفاق” إلى أي مكان فيه نفس يُتنفس. فالبحر أصدق من الخطابة. والسؤال المبكي: أين العدالة التي نهرب منها؟!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.