هناك سؤال مازال محل نقاش بين السودانيين لعقود طويلة: وهو لماذا نجحت دول كثيرة في تحقيق الثراء والاستقرار رغم محدودية مواردها الطبيعية، بينما فشل السودان و ظل غارقا في الفقر والصراعات رغم ما يملكه من ثروات وإمكانات هائلة؟
ولماذا عجزت الدولة السودانية، منذ الاستقلال، عن كسر دائرة الأزمات التي ظلت تتكرر وتعيد إنتاج نفسها، في الوقت الذي كانت فيه دول أخرى تنطلق نحو التنمية والازدهار؟
وغالبا ما تأتي الإجابات مألوفة: الفساد، والانقلابات، والحكم العسكري، والصراعات السياسية، والتدخلات الخارجية.
ورغم أن لكل عامل من هذه العوامل أثرا لا يمكن إنكاره، إلا أنها لا تقدم وحدها تفسيرا كاملا للأزمة، لأنها مظاهر ونتائج لمشكلة أعمق، اي انها عرض لمرض.
يعد كتاب «لماذا تفشل الأمم؟» للمؤلفين دارون أسيموغلو وجيمس أ. روبنسون واحد من افضل المراجع التي تشرح لماذا تفشل الدول، ويقدم رؤية مختلفة مما هو شائع.
فالكتاب لا يرجع نجاح الأمم أو فشلها إلى الجغرافيا، أو ثقافة المجتمع، أو وفرة الموارد الطبيعية، كما يعتقد كثيرون، بل يركز على طبيعة المؤسسات السياسية والاقتصادية التي تنظم الدولة، وتحدد كيفية توزيع السلطة والثروة وإدارتها، وما إذا كانت تعمل لخدمة المجتمع كله أم لخدمة فئة محدودة تحتكر النفوذ والموارد.
ولا يقدم الكتاب تفسيرا جاهزا لكل دولة، وإنما إطارا لفهم أسباب نجاح الدول أو فشلها من خلال طبيعة مؤسساتها.
فالسؤال الأساسي ليس فقط: من يحكم؟
بل: كيف تعمل المؤسسات؟
ومن يملك السلطة والثروة؟
ومن هذا المنطلق يمكن استخدام هذا الإطار لتحليل التجربة السودانية وفهم أثر مؤسساتها منذ الاستقلال في تشكيل واقع الدولة الحالي.
ويعزو الكتاب أسباب فشل الدول إلى نوعين من المؤسسات:
الأولى: المؤسسات الشاملة، وهي التي تتيح للمواطنين المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية، وتحمي حقوق الملكية، وتطبق القانون على الجميع، وتشجع الاستثمار والإنتاج والابتكار.
وفي ظلها يشعر المواطن بأن جهده سيعود عليه بالنفع، فتزداد الإنتاجية، ويتحقق النمو، ويترسخ الاستقرار، وينشط الابتكار فتزدهر الدولة.
الثانية: المؤسسات الاستخراجية أو الاستغلالية، وهي التي تتركز فيها السلطة والثروة في يد مجموعة محدودة تستخدم مؤسسات الدولة لبناء مصالحها وحمايتها.
وفي هذا النموذج لا تكون الكفاءة والجدارة دائما المعيار الأساسي للوصول إلى المناصب، بل قد تتقدم علاقات الولاء والمصالح، فتنتشر المحسوبية والفساد، ويضعف الاقتصاد، وتهاجر الكفاءات، ويتراجع الابتكار وفرص التنمية.
كما يناقش الكتاب إحدى أكبر معضلات الإصلاح، وهي مقاومة الفئات المستفيدة لأي تغيير حقيقي.
فكل إصلاح يوسع المشاركة السياسية، أو يعيد توزيع السلطة والثروة، أو يجعل الكفاءة معيارا أساسيا، يمثل تهديدا لمصالح هذه الفئات، ولذلك تعمل على تعطيله أو إفراغه من مضمونه.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى أزمة السودان بصورة مختلفة؛ فالمشكلة لا تكمن فقط في الفساد أو الانقلابات العسكرية أو التدخلات الخارجية، وفساد النخبة، وإنما في المؤسسات التي سمحت بحدوث ذلك كله، ولم تمتلك القدرة الكافية على منعه أو محاسبة المسؤولين عنه.
ولهذا فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على تغيير من يحكم، بل تمتد إلى كيفية إدارة الدولة وطبيعة المؤسسات التي حكمت البلاد منذ الاستقلال، وكيف يمكن إعادة بنائها على أسس تحقق الشمول والمشاركة.
ومن هنا يمكن أيضا فهم الجدل حول مفهوم «دولة 56»، الذي يستخدمه البعض لوصف الدولة التي نشأت بعد الاستقلال دون تحديد طبيعة المشكلة فيها بصورة دقيقة، بينما ربطه آخرون بمنطقة جغرافية محددة، وحملوا سكانها مسؤولية ما آلت إليه البلاد، مع أن الوصفين لا يقدمان تفسيرا دقيقا.
فالتفسير الأول لا يشخص المشكلة بما يسمح بتقديم حلول واضحة، أما الثاني فيخلط بين النخب التي امتلكت النفوذ داخل مؤسسات الدولة وبين المجتمعات التي تنتمي إليها، ويتجاهل دور المؤسسات نفسها.
فوجود مسؤولين من منطقة معينة لا يعني أن جميع أبناء تلك المنطقة كانوا شركاء في السلطة أو مستفيدين منها، فكثير منهم عانوا الفقر والتهميش مثل غيرهم، ولم يكونوا جزءا من دوائر صنع القرار، وهذا تفسير يتسبب في اشكاليات كثيرة تزيد الازمة تعقيد.
وانطلاقا من هذا الفهم، يمكن قراءة مفهوم «دولة 56»بانها الدولة التي نشأت بعد الاستقلال، وكيف بنيت مؤسساتها وآليات توزيع السلطة والثروة فيها، وليس مجرد تحميل المسؤولية لجهة بعينها حكمت البلاد.
وعليه، فإن جوهر المشكلة السودانية يرتبط بطبيعة القواعد التي تأسست منذ الاستقلال، والتي سمحت باحتكار السلطة والثروة، وشجعت الفساد، وأضعفت المشاركة والمساءلة، وجعلت المؤسسات نفسها تقاوم الإصلاح، بل تعمل أحيانا على تدجين أو تحييد القوى التي تشارك فيها.
ولعل هذا يفسر ظاهرة تكررت في التجربة السياسية السودانية، حين تحولت بعض القوى التي رفعت شعارات مقاومة الظلم والتهميش أو الحكم العسكري والشمولي إلى جزء من النظام نفسه بعدما تهيأت لها فرصة المشاركة في السلطة.
كما أن بعض القوى التي عارضت الحكم العسكري في مراحل معينة عادت إلى التعاون معه أو قبلت الدخول في ترتيبات مكنته أكثر، وحافظت على البنية المؤسسية القائمة، فأصبحت تعمل داخل المؤسسات التي كانت تنتقدها، بل ساهمت في استمرارها ومقاومة إصلاحها.
ومن هنا يفهم أن حل أزمة السودان لا يرتبط فقط بتغيير النخب الحاكمة أو بإعادة توزيع السلطة بين القوى السياسية، وإنما بتغيير طبيعة المؤسسات والقواعد التي تنظم ممارسة السلطة.
طبعا هناك من يرى أن الأزمة السودانية وصلت مرحلة لا يمكن حلها الا بتقسيم السودان إلى دويلات للخروج من الصراع التاريخي، وطبعا هذا الخيار لا يضمن بناء دولة ناجحة إذا انتقلت إليها أزمة المؤسسات وقواعد الحكم نفسها.
وتبقى تجربة جنوب السودان الذي ورث نفس المشكلة مثالا على أن الانفصال لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار إذا لم يصاحبه بناء مؤسسات قادرة على إدارة السلطة والثروة وتحقيق المشاركة والمساءلة.
وقبل أن نتحدث عن الحل الذي يطرحه الكتاب، وكيف يمكن للسودان الاستفادة منه، لا بد من التنبيه إلى أن تركيز الكتاب على دور المؤسسات في تفسير فشل الدول لا يعني تجاهل دور النخب وسلوكها في صناعة هذا الفشل، وإنما يذهب إلى مستوى أعمق، إذ يفسر كيف تسمح المؤسسات الإقصائية أو الاستخراجية باستمرار أنماط الفشل وإعادة إنتاجها، بحيث لا يقتصر الأمر على أخطاء أفراد بعينهم، بل يتحول إلى نمط متكرر يستمر حتى مع تغير النخب الحاكمة.
ويرى مؤلفا كتاب «لماذا تفشل الأمم؟» أن إصلاح المؤسسات لا يتحقق بمجرد تغيير الحكومات، لأن النخب المستفيدة من المؤسسات الاستخراجية تقاوم أي إصلاح يهدد مصالحها.
وإنما يصبح الإصلاح ممكنا عندما يتغير ميزان القوى في المجتمع، وتتسع المشاركة السياسية، وتتمكن القوى الاجتماعية من التأثير في قواعد الحكم.
وغالبا ما يحدث ذلك في لحظات التحول التاريخية، حين يصبح الإبقاء على المؤسسات الاستخراجية أكثر كلفة من إصلاحها، فتتهيأ الظروف لبناء مؤسسات أكثر شمولا وعدالة.
وبناء على هذا المنظور، ومن وجهة نظري، فإن الظروف الحالية في السودان تمثل فرصة مهمة للخروج من جدل دولة 56 والعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة، خاصة مع ارتفاع تكلفة استمرار الأوضاع القائمة، حيث أصبح المواطن يدفع يوميا ثمن غياب المؤسسات من خلال انعدام الخدمات، واتساع الأزمات، وتدهور الاقتصاد، وعدم الاستقرار، واليأس الذي يدفع الناس إلى خيارات صعبة وخطيرة.
ولهذا فإن المجتمع السوداني كله مطالب اليوم بأن يجعل إصلاح المؤسسات قضية وطنية تتجاوز المصالح الشخصية و الانقسامات السياسية والجهوية، وأن يدرك أن دوره لا يقتصر على تغيير الحكومات، بل يمتد إلى التأثير في قواعد إدارة الدولة نفسها.
وهنا يبرز دور المجتمع المدني باعتباره أحد أهم أدوات المجتمع في تنظيم المطالب، وتعزيز الوعي بحقوق المواطنين، والدفاع عن سيادة القانون، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، والضغط من أجل بناء مؤسسات أكثر شمولا وعدالة، لأن إصلاح المؤسسات هو الضمان الحقيقي لقيام دولة قادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية والازدهار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.