في مشهد أعاد إلى الأذهان شعارات ثورة ديسمبر التي رفعت مطالب العدالة والكرامة والحقوق، اتسعت رقعة التضامن الشعبي مع إضراب المعلمين السودانيين، في وقت يواصل فيه آلاف المعلمين في عدد من الولايات التمسك بمطالب تحسين الأجور، وصرف المستحقات، وإصلاح أوضاع التعليم التي تدهورت بصورة غير مسبوقة بفعل الحرب والانهيار الاقتصادي. ورغم أن الإضراب انطلق من مطالب مهنية تتعلق بحقوق المعلمين، إلا أن تفاعل قطاعات واسعة من المواطنين معه حوّله إلى قضية رأي عام، بعدما رأى كثيرون أن الدفاع عن المعلم هو دفاع عن مستقبل التعليم وحق الأطفال في مدرسة تحفظ كرامة المعلم قبل الطالب.
تضامن يتجاوز أسوار المدارس
على منصات التواصل الاجتماعي، وفي المبادرات المجتمعية، تصاعدت رسائل الدعم للمعلمين، فيما دعا ناشطون إلى عدم تصوير الإضراب باعتباره مواجهة بين المعلم والطالب، بل باعتباره احتجاجاً على تدهور الخدمات العامة والظروف المعيشية. ويرى مراقبون أن حجم التعاطف الشعبي يعود إلى إدراك السودانيين أن الأزمة لم تعد تخص فئة بعينها، وإنما تعكس الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ويقول المواطن محمد عبد الرحمن، أحد أولياء الأمور، لـ”عين الحقيقة”: “نحن نريد أبناءنا داخل الفصول، لكننا أيضاً نريد معلماً يعيش بكرامة. لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يبني جيلاً وهو عاجز عن إعالة أسرته.”
مطالب قديمة.. وأزمة متجددة
ويطالب المعلمون بزيادة الأجور بما يتناسب مع معدلات التضخم، وصرف الاستحقاقات المالية المتأخرة، وتحسين بيئة العمل، إلى جانب وضع سياسة واضحة لإنقاذ قطاع التعليم الذي تعرض لخسائر كبيرة بسبب الحرب. ويؤكد معلمون أن الأزمة تجاوزت قضية المرتبات، لتصل إلى نقص الكتب والوسائل التعليمية، وتعطل آلاف المدارس، ونزوح أعداد كبيرة من الكوادر التربوية.
هل يتحول الإضراب إلى حراك مجتمعي؟
يرى الخبير السياسي الدكتور أحمد الطيب أن إضراب المعلمين يحمل دلالات تتجاوز المطالب الفئوية.
ويقول لـ”عين الحقيقة”: “كل الحركات الاجتماعية الكبرى تبدأ غالباً بمطالب مهنية أو اقتصادية، لكن إذا وجدت تعاطفاً شعبياً واسعاً فقد تتحول إلى قضية سياسية عامة. حتى الآن، لا يمكن القول إن السودان يشهد عودة لثورة ديسمبر، لكن هناك مؤشرات على عودة الوعي الجماعي بالمطالبة بالحقوق.” ويضيف أن نجاح أي حراك في التوسع يعتمد على قدرته على بناء تحالفات مع بقية الفئات المهنية والعمالية، وعلى طبيعة استجابة السلطات لمطالبه.
خبير اجتماعي: المعلم رمز للعدالة الاجتماعية من جانبه، يرى الباحث الاجتماعي الدكتور خالد يوسف أن التعاطف الشعبي مع المعلمين يحمل بعداً رمزياً. ويقول لـ”عين الحقيقة”: “المعلم في الوجدان السوداني ليس مجرد موظف حكومي، بل يمثل قيمة اجتماعية وثقافية. لذلك فإن المطالبة بحقوقه تُقرأ لدى كثير من المواطنين باعتبارها دفاعاً عن العدالة الاجتماعية، وليس مجرد نزاع حول المرتبات.” ويشير إلى أن اتساع دائرة التضامن يعكس شعوراً عاماً بتراجع الخدمات الأساسية، من التعليم إلى الصحة والكهرباء والمياه، وهو ما يجعل مختلف الأزمات تبدو مترابطة في نظر المواطنين.
هل تعود روح ديسمبر؟
يرى عدد من المحللين أن المقارنة مع ثورة ديسمبر تبدو حاضرة في الخطاب الشعبي، لكن الظروف الحالية تختلف بصورة كبيرة. فثورة ديسمبر اندلعت في سياق سياسي واجتماعي مختلف، بينما يواجه السودان اليوم حرباً واسعة، وانقساماً جغرافياً، وأزمة إنسانية غير مسبوقة، وهو ما يجعل أي حراك جماهيري يواجه تحديات أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن القاسم المشترك بين اللحظتين يتمثل في تصاعد الشعور العام بأن الحقوق الأساسية، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، أصبحت مهددة، وأن استمرار تجاهل المطالب قد يؤدي إلى توسع الاحتجاجات لتشمل قطاعات أخرى.
رسالة تتجاوز الأجور
ويعتقد مراقبون أن الرسالة التي يبعث بها إضراب المعلمين لا تقتصر على المطالبة بتحسين الدخل، بل تمتد إلى ضرورة إعادة الاعتبار لمؤسسات التعليم باعتبارها إحدى ركائز استقرار الدولة. ويحذر خبراء من أن استمرار الأزمة دون حلول قد يفاقم معدلات التسرب من المدارس، ويؤثر على ملايين الأطفال الذين حُرم كثير منهم بالفعل من التعليم بسبب الحرب والنزوح.
بين الاحتجاج والإصلاح
يبقى السؤال مطروحاً: هل يظل إضراب المعلمين حركة مهنية محدودة، أم يتحول إلى نقطة التقاء لحراك مجتمعي أوسع يعبر عن حالة السخط من تردي الأوضاع المعيشية والخدمية؟ الإجابة، بحسب محللين، ستتوقف على عاملين رئيسيين: مدى استجابة السلطات لمطالب المعلمين، وقدرة القوى المجتمعية على تحويل التضامن الشعبي إلى ضغط سلمي منظم.
وفي جميع الأحوال، فإن ما كشفه الإضراب هو أن قضية التعليم لم تعد شأناً يخص المعلمين وحدهم، بل أصبحت مرآة تعكس عمق الأزمة التي يعيشها السودان، واختباراً جديداً لقدرة المجتمع على الدفاع عن حقوقه عبر الوسائل السلمية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.