الجنيه السوداني يتهاوى أمام المصري.. سودانيون في مصر بين الغلاء والعودة

تقرير: عين الحقيقة

يواجه السودانيون المقيمون في مصر ضغوطاً اقتصادية متصاعدة، في ظل التراجع المستمر لقيمة الجنيه السوداني أمام الجنيه المصري والعملات الأجنبية، وما يرافق ذلك من ارتفاع في تكاليف الإيجارات والتعليم والعلاج والاحتياجات اليومية، بينما تعيش آلاف الأسر أوضاعاً هشة بعد فرارها من الحرب.
وتداول متعاملون في السوق الموازية بالقاهرة، اليوم، سعراً بلغ 169 جنيهاً سودانياً مقابل الجنيه المصري، وفق إفادات متداولة بين سودانيين في العاصمة المصرية، وسط تفاوت ملحوظ بين أسعار السوق الموازية والأسعار الرسمية أو المرجعية المنشورة.

ويقول سودانيون يقيمون في مدينة السادس من أكتوبر لـ«عين الحقيقة» إن تراجع قيمة العملة لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، وإنما تحول إلى أزمة معيشية تضغط بصورة مباشرة على الأسر، خصوصاً تلك التي تعتمد على تحويلات مالية من السودان أو من أقارب يقيمون ويعملون في دول أخرى.

الإيجار والتعليم.. أعباء تتضاعف
وتأتي الإيجارات والرسوم الدراسية في مقدمة الالتزامات التي تثقل كاهل الأسر السودانية في مصر، إذ تُدفع هذه المصروفات بالجنيه المصري، بينما تتراجع القوة الشرائية للأسر التي تعتمد على موارد مقوّمة بالجنيه السوداني.
ويقول أحد المقيمين في السادس من أكتوبر، م. ع. أ، إن أسرته أصبحت تواجه معادلة اقتصادية صعبة، موضحاً: «كلما انخفض الجنيه السوداني، ارتفعت التكلفة الفعلية لحياتنا، بينما دخلنا لا يرتفع بالوتيرة نفسها».
وتزداد الضغوط مع بداية العام الدراسي، حيث تواجه الأسر تكاليف الرسوم الدراسية والكتب والمواصلات والاحتياجات التعليمية، ما يدفع بعض العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص نفقات أخرى لتوفير تكاليف التعليم.
ولا تتوقف الأزمة عند السكن والتعليم؛ إذ يمثل العلاج والأدوية عبئاً إضافياً، خصوصاً للأسر التي لديها مرضى يحتاجون إلى علاج منتظم. ويقول سودانيون إن صعوبة توفير السيولة وتحويل الأموال، إلى جانب ارتفاع الأسعار، جعلت الحصول على بعض الأدوية وتحمل تكاليف العلاج أكثر صعوبة.
تجارة المنتجات السودانية تحت الضغط
وتنعكس أزمة سعر الصرف كذلك على النشاط التجاري المرتبط بالجالية السودانية في مصر، خصوصاً تجارة المنتجات الغذائية القادمة من السودان.
ويقول أصحاب متاجر ومتداولون في السوق السودانية بالقاهرة لـ«عين الحقيقة» إن تجارة منتجات مثل الويكة ودقيق الكسرة وغيرها ترتبط بدرجة كبيرة بتوفر العملة الصعبة، إلى جانب تكاليف الشراء والنقل والتخزين.
ويؤكد تجار أن ارتفاع تكلفة الاستيراد وتقلبات سعر الصرف ضيّقا هامش الحركة أمام أصحاب المتاجر، الذين يواجهون خيارين صعبين: رفع الأسعار بما يفوق قدرة المستهلك، أو تقليص الكميات والمخزون، وهو ما يؤدي بدوره إلى تراجع توفر بعض المنتجات.
وبحسب إفادات تجار، تعتمد نسبة مهمة من حركة هذه التجارة على تحويلات السودانيين المقيمين خارج البلاد، ولا سيما التحويلات بالدولار. ومع تراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع تكلفة تحويل الأموال، أصبحت عمليات الشراء والاستيراد وإعادة تكوين المخزون أكثر تعقيداً وكلفة.

ويقول أحد التجار إن المشكلة لا ترتبط بالسعر وحده، وإنما أيضاً بصعوبة التنبؤ بقيمة العملة من يوم إلى آخر، الأمر الذي يجعل التسعير والشراء وإعادة بناء المخزون قرارات محفوفة بالمخاطر.
العودة إلى السودان.. خيار محفوف بالمخاطر
في المقابل، تجد الأسر السودانية نفسها أمام مفارقة صعبة؛ فبينما ترتفع تكلفة الحياة في مصر، تبدو العودة إلى السودان بالنسبة إلى كثيرين خياراً محفوفاً بالمخاطر، في ظل استمرار الحرب وتضرر أو تعطل الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من البلاد.
ويقول أحد السودانيين المقيمين في مصر لـ«عين الحقيقة»: «نحن لا نستطيع العودة. هناك مناطق لا تتوفر فيها الكهرباء والمياه بصورة مستقرة، ومدارس ومرافق صحية توقفت أو تضررت. العودة ليست مجرد ركوب حافلة والذهاب إلى السودان، بل سؤال عن المكان الذي سنعيش فيه وكيف سنوفر احتياجات أطفالنا».
وتقول أسر أخرى إن العودة الطوعية، حتى في حال توفر الرغبة فيها، تحتاج إلى ظروف تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، بما في ذلك السكن الآمن والخدمات الأساسية وفرص كسب العيش.
ويضع ذلك السودانيين في مصر أمام معادلة شديدة التعقيد: البقاء يعني مواجهة ارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة وتراجع قيمة المدخرات والدخل، بينما تعني العودة بالنسبة إلى كثيرين الرجوع إلى مناطق لا تزال تعاني من آثار الحرب وتدهور الخدمات.
أزمة تتجاوز سعر الصرف
ويرى مختصون أن أوضاع السودانيين في مصر لا يمكن اختزالها في تراجع سعر الصرف وحده، إذ تتداخل معها عوامل أخرى، من بينها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل وتراجع القدرة على تحويل الأموال وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتكشف أوضاع الأسر السودانية في القاهرة والسادس من أكتوبر عن امتداد الأزمة الاقتصادية السودانية إلى خارج الحدود؛ فكل تراجع في قيمة العملة ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الأسر على دفع الإيجار وتكاليف التعليم والعلاج، كما يؤثر في حركة التجارة والخدمات التي تعتمد على القوة الشرائية للجالية.
وبينما يبحث السودانيون عن وسائل تساعدهم على الاستمرار في مصر، تبقى العودة مرتبطة بتحسن الظروف داخل السودان، وليس فقط بارتفاع كلفة الإقامة في الخارج.

وفي القاهرة والسادس من أكتوبر، كما في مناطق سودانية عديدة، تتقاطع تداعيات الحرب مع الأزمة الاقتصادية في حياة الأسر اليومية: نزوح أفقدها الاستقرار، وعملة متراجعة تستنزف ما تبقى من مواردها، وواقع داخل السودان لا يزال يجعل العودة خياراً صعباً بالنسبة إلى كثيرين.

وهكذا يجد المواطن السوداني نفسه أمام أزمة مزدوجة: تكلفة معيشة تتصاعد في بلد اللجوء، وظروف داخلية لا تزال تحول دون عودة آمنة ومستقرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.