ظهور المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية يعيد فتح ملف نفوذ الحركة الإسلامية، وعلاقة قيادات النظام السابق بالمؤسسة العسكرية، ويضع البرهان أمام تساؤلات محرجة بشأن عودة رموز النظام إلى واجهة المشهد السياسي.
لم يكن ظهور أحمد محمد هارون عبر منصة «السودان بودكاست» مجرد مقابلة إعلامية عابرة، أو إطلالة عادية لشخصية سياسية غابت عن الأضواء، بل حدثاً سياسياً يستحق التوقف عند دلالاته، بالنظر إلى الخلفية السياسية والقانونية للرجل، وموقعه داخل منظومة النظام السابق، والتوقيت الذي اختير فيه الظهور، بينما لا تزال الحرب تعيد تشكيل موازين القوى ومراكز النفوذ في السودان.
فأحمد هارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول، ليس شخصية عادية في تاريخ السودان الحديث، بل أحد أبرز رموز نظام الرئيس المعزول عمر البشير. وهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرة توقيف صدرت في 27 أبريل 2007، على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بمجرد حق شخصية سياسية في الظهور الإعلامي، وإنما بما يحمله ظهور رجل بهذه الخلفية من رسائل سياسية، وما إذا كان يمثل مؤشراً على محاولة إعادة تدوير رموز النظام السابق، واستعادة نفوذهم في مشهد سياسي وعسكري أعادت الحرب تشكيل ملامحه.
هل تعلن الحركة الإسلامية عودتها من بوابة أحمد هارون؟
من بين القراءات التي يفرضها هذا الظهور احتمال أن تكون الحركة الإسلامية بصدد اختبار مساحة حضورها السياسي والإعلامي، وإرسال رسالة واضحة بأنها لم تغادر المشهد، وأنها لا تزال تمتلك قيادات وتنظيماً وشبكات نفوذ قادرة على التأثير في مستقبل البلاد.
ولا يمكن فصل هذه القراءة عن التصريحات التي أدلى بها هارون لوكالة «رويترز» في يوليو 2025، وتناول فيها مستقبل الإسلاميين، ودور الجيش بعد الحرب، وإمكانية عودة المؤتمر الوطني إلى الحياة السياسية عبر الانتخابات.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن أمام تحرك فردي لشخصية سياسية تسعى إلى استعادة حضورها، أم أمام محاولة أوسع لإعادة تقديم قيادات النظام السابق باعتبارها أطرافاً أساسية في ترتيبات ما بعد الحرب؟
وإذا كانت الحركة الإسلامية قد فقدت سلطتها الرسمية بسقوط نظام البشير، فهل يعني ذلك أنها فقدت بالفعل مفاتيح النفوذ داخل مؤسسات الدولة؟ أم أن الحرب وفرت لها فرصة جديدة لاستعادة مواقعها والتقدم إلى الواجهة من بوابات مختلفة؟
البرهان أمام اختبار سياسي لا تحتمله الشعارات
يضع ظهور أحمد هارون قيادة الجيش، وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أمام اختبار سياسي جديد، يتجاوز البيانات والتصريحات المتكررة بشأن قومية القوات المسلحة واستقلالها عن الأحزاب والتنظيمات السياسية.
فقد أكدت قيادة الجيش، في مناسبات سابقة، أن القوات المسلحة مؤسسة قومية لا تتبع حزباً أو تنظيماً سياسياً، وأنها لا تسمح للأحزاب بالتدخل في شؤونها.
لكن هذه التأكيدات تظل بحاجة إلى ما يسندها على أرض الواقع، خصوصاً في ظل استمرار الجدل بشأن نفوذ الحركة الإسلامية وعلاقات بعض رموز النظام السابق بالمؤسسة العسكرية.
إن ظهور قيادي بارز في المؤتمر الوطني المحلول، ومطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، للحديث عن مستقبل الجيش والسلطة، يعيد طرح أسئلة محرجة: من يتحدث باسم مستقبل المؤسسة العسكرية؟ وهل أصبحت الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق جزءاً من النقاش حول شكل الحكم المقبل؟
وهل تنظر قيادة الجيش إلى ظهور هارون باعتباره نشاطاً سياسياً مستقلاً؟ وهل جرى بعلمها أو بموافقتها؟ أم أن هذه الخطوة تضع خطاب البرهان بشأن استقلال المؤسسة العسكرية أمام اختبار حقيقي؟
والأهم من ذلك، هل يستطيع البرهان إقناع السودانيين بأن الجيش يقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية، في وقت لا تزال فيه التساؤلات قائمة بشأن حدود نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة؟
وفي ظل غياب معلومات موثقة تثبت وجود تنسيق بين قيادة الجيش وأحمد هارون أو المنصة التي استضافته، لا يمكن الجزم بوجود علاقة مباشرة بين الطرفين.
لكن غياب الدليل على التنسيق لا يلغي ضرورة الإجابة عن الأسئلة السياسية التي أثارها الظهور.
هل توجه الحركة الإسلامية رسالة إلى المجتمع الدولي؟
قد تتجاوز دلالات هذا الظهور حدود الداخل السوداني، لتحمل رسالة سياسية إلى المجتمع الدولي مفادها أن الحركة الإسلامية لا تزال حاضرة في معادلة النفوذ، وأن أي ترتيبات سياسية تتعلق بمستقبل السودان لن تكون بمعزل عن واقع التنظيمات والشبكات التي راكمت نفوذها خلال العقود الماضية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية: هل تسعى الحركة الإسلامية إلى إظهار أنها لا تزال تمتلك أوراقاً مؤثرة في المشهد السوداني، وأن استبعادها من أي تسوية سياسية مقبلة لن يكون أمراً سهلاً؟
وإذا كان الظهور يحمل مثل هذه الرسالة، فإنها تضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ إضافي يتعلق بمدى جدية أي مسار سياسي يسعى إلى إنهاء الحرب وبناء دولة مدنية، دون معالجة قضية نفوذ التنظيمات السياسية المرتبطة بالنظام السابق.
فلا يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي حقيقي، أو بناء مؤسسات وطنية مستقلة، مع ترك الأسئلة المتعلقة بمراكز النفوذ القديمة معلقة، أو التعامل معها باعتبارها تفاصيل ثانوية يمكن تجاوزها في مفاوضات إنهاء الحرب.
من يعيد تدوير رموز النظام السابق؟
ثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالمنصة الإعلامية التي استضافت أحمد هارون، وطبيعة الرسائل التي يمكن أن تنتجها مثل هذه الاستضافة في هذا التوقيت.
فمن حق المؤسسات الإعلامية استضافة الشخصيات العامة وإتاحة المجال أمامها للتعبير عن مواقفها، لكن هذا الحق لا يعفيها من المسؤولية المهنية في إدارة الحوار، وطرح الأسئلة الصعبة، ومساءلة الضيوف بشأن أدوارهم السياسية ومواقفهم السابقة.
واستضافة شخصية مطلوبة للمحكمة الجنائية الدولية تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل كانت المقابلة بهدف المساءلة وكشف الحقائق، أم أنها تحولت إلى مساحة لإعادة تقديم شخصية سياسية مثقلة بملفات قانونية وسياسية؟
وأين الأسئلة المتعلقة بدارفور، ومسؤولية رموز النظام السابق عن الانتهاكات المنسوبة إليهم، ومصير العدالة والمحاسبة؟ وهل يكفي منح هذه الشخصيات مساحة للحديث عن مستقبل السودان دون مساءلتها عن الماضي الذي كانت جزءاً من صناعته؟
إن خطورة الأمر لا تكمن في استضافة أحمد هارون وحده، وإنما في احتمال تحول المنابر الإعلامية إلى منصات لاستعادة الحضور السياسي لرموز النظام السابق، دون إخضاعهم للمساءلة التي تقتضيها أدوارهم ومواقعهم السابقة.
عودة النظام السابق من بوابة الحرب؟
المفارقة السياسية أن رموز النظام السابق الذين غادروا السلطة تحت ضغط ثورة شعبية في أبريل 2019، يجدون أنفسهم اليوم أمام فرصة جديدة للعودة إلى النقاش العام، مستفيدين من واقع الحرب وما أحدثته من انهيار في مؤسسات الدولة وتراجع للقوى المدنية.
وهنا تبرز مخاوف جدية من أن تتحول الحرب، بدلاً من أن تكون محطة لإنهاء إرث الاستبداد وإعادة بناء الدولة، إلى بوابة لإعادة إنتاج النظام السابق بوجوهه وشبكات نفوذه القديمة.
فهل أصبحت الحرب فرصة لإعادة ترتيب مواقع الإسلاميين داخل السلطة؟ وهل يجري توظيف التحالفات والظروف العسكرية لإعادة تقديم قيادات المؤتمر الوطني باعتبارها جزءاً من الحل السياسي، رغم أن إرث حكمها لا يزال حاضراً في ذاكرة السودانيين؟ إن أي محاولة لتجاوز هذه الأسئلة أو التعامل معها باعتبارها مجرد خلافات سياسية عابرة تعني تجاهل أحد جذور الأزمة السودانية، وتفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأسباب التي قادت البلاد إلى أزماتها الراهنة.
السودان ليس ملكاً لمراكز النفوذ
في نهاية المطاف، تتجاوز دلالات ظهور أحمد هارون شخصه، لتصل إلى جوهر أزمة السلطة في السودان: من يملك القرار الفعلي؟ ومن يتحكم في مستقبل الدولة؟ وهل السلطة محصورة في المؤسسات الرسمية، أم أن هناك مراكز نفوذ وتنظيمات سياسية تمارس تأثيراً يتجاوز مواقعها المعلنة؟ وهل تمثل الحركة الإسلامية حليفاً سياسياً للمؤسسة العسكرية، أم أنها تسعى إلى تثبيت موقع متقدم في ترتيبات الحكم المقبلة، مستفيدة من ظروف الحرب وإعادة تشكيل موازين القوى؟
إن ظهور أحمد هارون لا يقدم وحده إجابات حاسمة عن هذه التساؤلات، لكنه يكشف حجم الأسئلة المؤجلة بشأن علاقة سلطة الأمر في بورتسودان والخرطوم بالنظام السابق، ويضع قيادة الجيش أمام مسؤولية تقديم إجابات واضحة بدلاً من الاكتفاء بالشعارات.
فالسودان ليس ملكاً لتنظيم سياسي، ولا إرثاً عسكرياً تتوارثه القيادات، ولا ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى التي تنافست على السلطة لعقود. والسودانيين الذين خرجوا في ثورة ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة لم يفعلوا ذلك لاستبدال مركز نفوذ بآخر، أو لإعادة إنتاج النظام السابق تحت مظلة الحرب.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط لماذا ظهر أحمد هارون الآن، وإنما من الذي يفتح الأبواب أمام عودة رموز النظام السابق؟ ومن يمنحهم مساحة التأثير في مستقبل البلاد؟ وهل يملك البرهان قرار إبعاد التنظيمات السياسية عن المؤسسة العسكرية، أم أن مراكز النفوذ داخل الدولة أصبحت أقوى من الشعارات المعلنة؟
إن أخطر ما يمكن أن تنتهي إليه الحرب ليس انتصار طرف عسكري على آخر، وإنما خروج السودان من معركة مدمرة ليجد نفسه أمام إعادة إنتاج النظام القديم، بوجوه جديدة أو بالوجوه ذاتها.
فهل يتجه السودان نحو دولة المؤسسات والمواطنة، أم نحو استعادة دولة التنظيمات ومراكز النفوذ؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يفرضه ظهور أحمد هارون، والذي لا يستطيع البرهان ولا الحركة الإسلامية تجاهله إلى الأبد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.