من أحمد هارون إلى صلاح قوش.. هل نحن أمام بودكاست يوثّق التاريخ أم يعيد تدوير رموز الإنقاذ؟
بقلم: معمر القذافي محي الدين
تابعت بشكل متقطع بعض حلقات «السودان بودكاست» الذي يقدمه ربعي سراج. وفي الحقيقة، لم أكن أتابع البرنامج دون معرفة بمن يقف وراءه؛ فأنا أعرف من هو ربعي سراج وأعرف خلفيته. لكن مع متابعة بعض الحلقات، بدأت أتوقف عند طبيعة البرنامج، واختيارات ضيوفه، والموضوعات التي يفتحها، والأهم: إلى أين يريد أن يصل؟ وما الرسائل التي يسعى إلى تمريرها من خلال هذه الحوارات؟
وقد ازدادت هذه الأسئلة إلحاحاً بعد حلقة أحمد هارون.
ليست المشكلة في استضافة أحمد هارون، ولا في منحه فرصة للحديث عن تجربته أو الدفاع عن مواقفه. فحق التعبير لا ينبغي أن يكون حكراً على طرف دون آخر، ومن حق أي شخصية سياسية أن تروي روايتها للأحداث. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحوار من مساءلة التاريخ إلى إعادة تشكيله، ومن استضافة شخصية مثيرة للجدل إلى تقديمها في صورة البطل الذي صمد أمام المؤامرات، وواجه الأعداء، وخرج من كل معركة منتصراً.
أحمد هارون.. بطل الفيلم الذي لا يموت ولا يُقهر
في هذه الحلقة، بدا لي أن أحمد هارون يريد أن يكون بطل الفيلم الهندي الذي لا يموت، ولا يُهزم، ولا يُقهر؛ كلما ظن المشاهد أن الحكاية انتهت، يعود البطل من جديد، ويتجاوز كل المصائب، ويخرج من كل المواقف منتصراً، بينما يتراجع الآخرون أو يتآمرون أو يخونون.
إنها رواية تجعل صاحبها دائماً في موقع القوة، حتى عندما تكون الوقائع أكبر من قدرته على تفسيرها، وتجعل كل ما حدث من حوله مجرد مؤامرات وخيانات، لا نتائج لسياسات وممارسات وأخطاء ومسؤوليات سياسية وتاريخية.
لكن السودان ليس فيلماً هندياً، وتاريخه ليس سيناريو يكتبه أحد أبطال السلطة السابقة ليمنح نفسه دور البطولة المطلقة. فهناك ملايين السودانيين الذين عاشوا نتائج تلك المرحلة، وهناك ضحايا وانتهاكات وحروب وفساد وانهيار لم تكن مجرد مشاهد عابرة في حكاية سياسية.
أحمد هارون ليس شخصية عادية في تاريخ نظام الإنقاذ؛ فقد كان جزءاً من منظومة الحكم، وتولى مواقع سياسية وتنفيذية مهمة، كما أنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهذه حقائق لا يمكن تجاوزها لمجرد أن صاحب الرواية يمتلك قدرة على الحكي أو يقدم نفسه باعتباره رجلاً صمد في وجه العواصف.
حكاية حميدتي.. من المسؤول عن صناعة المشهد؟
ومن بين المسائل التي تستحق التوقف عندها طريقة تناول علاقة النظام السابق بحميدتي، وكيف يمكن إعادة ترتيب هذه العلاقة في الرواية بحيث يبدو الأمر وكأن ما حدث كان مجرد تطور خارج عن إرادة صانعيه، أو مؤامرة انقلبت على أصحابها.
لكن السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه هو: من الذي فتح الطريق أمام صعود قوات الدعم السريع؟ ومن الذي منحها الشرعية السياسية والعسكرية، ووسّع نفوذها، وأدخلها في بنية الدولة، حتى أصبحت قوة موازية للمؤسسة العسكرية؟
لا يمكن التعامل مع هذه الأسئلة باعتبارها تفاصيل ثانوية، ولا يمكن اختزال تاريخ صناعة هذه القوة في لحظة الخلاف أو الانقلاب على من ساهموا في تأسيسها وتمكينها.
إن محاولة تقديم بعض رموز النظام السابق باعتبارهم ضحايا لما صنعته أيديهم، دون مساءلة عن مسؤوليتهم في تأسيس هذا الواقع، ليست قراءة للتاريخ، بل انتقاء لما يناسب الرواية.
صلاح قوش.. وهل كانت الثورة مجرد خيانة؟
ومن أكثر ما يثير الانتباه في استدعاء قصة صلاح قوش، الطريقة التي يمكن أن تُقدَّم بها ثورة ديسمبر، وكأنها لم تكن ثورة شعبية حقيقية، بل مجرد عملية جرى إعدادها من وراء الستار، أو مؤامرة داخل النظام انتهت بخيانة البشير والمؤتمر الوطني.
وهنا يصبح من الضروري إعادة السؤال: أين يذهب ملايين السودانيين الذين خرجوا إلى الشوارع؟ وأين تذهب تضحيات الشباب والشابات الذين واجهوا الرصاص والقمع، وقدموا أرواحهم من أجل الحرية والسلام والعدالة؟
هل يمكن اختزال كل ذلك في حكاية خلافات داخل النظام، أو صراع بين أجنحة السلطة، أو دور لشخصية مثل صلاح قوش؟
بالتأكيد كانت هناك صراعات داخل النظام، وكانت هناك حسابات ومواقف متباينة بين مراكز القوى، لكن وجود هذه الصراعات لا يلغي حقيقة أن ديسمبر كانت ثورة شعبية، خرج فيها السودانيون ضد نظام حكم استمر ثلاثة عقود، وراكم خلالها الأزمات والانتهاكات والفساد والاستبداد.
إن تحويل الثورة إلى مجرد مؤامرة أو خيانة داخلية هو انتقاص من تضحيات الذين صنعوها، ومحاولة لنقل المسؤولية من نظام حكم واجه شعبه بالقمع إلى روايات تتحدث عن خلافات بين أركان ذلك النظام.
من صناعة الأزمة إلى ادعاء إنقاذ الوطن
الأكثر إثارة للقلق هو أن تقود هذه الروايات إلى وضع الحركة الإسلامية ورموز نظام الإنقاذ في موقع المنقذ الذي تصدى للمؤامرات التي استهدفت السودان، وكأنهم كانوا خارج الأزمة، أو لم يكونوا جزءاً أساسياً من صناعة الواقع الذي انتهى بنا إلى ما نحن فيه اليوم.
وهنا يجب أن نكون واضحين: ليس الاعتراض على أن يتحدث الإسلاميون، أو أن يشرحوا مواقفهم، أو أن يدافعوا عن تجربتهم. الاعتراض هو على تقديم روايتهم باعتبارها الحقيقة الوحيدة، وعلى منحهم مساحة لإعادة ترتيب الوقائع بحيث يظهرون في موقع المدافع عن الوطن والمنقذ له، بينما يتم تغييب مسؤوليتهم عن تأسيس الأزمة التي يعيشها السودان.
فمن الذي حكم البلاد لثلاثين عاماً؟ ومن الذي أضعف مؤسسات الدولة، وأدخل الجيش في صراعات السياسة، ووسّع نفوذ التشكيلات المسلحة، وأقصى القوى المدنية، وأغلق المجال العام، وأنتج منظومة حكم قامت على التمكين والإقصاء؟
ومن الذي ساهم في الوصول إلى واقع الحرب والانهيار الذي يدفع السودانيون ثمنه اليوم؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.