عراب الجنجويد.. أحمد هارون.. يدٌ صنعت الوحش ولسانٌ يلعنه

بقلم: عبد الجليل سليمان

عراب الجنجويد..
أحمد هارون.. يدٌ صنعت الوحش ولسانٌ يلعنه

 

في الخامس من نوفمبر، بعد سنوات من الغياب، ظهر أحمد محمد هارون في «السودان بودكاست»، جالساً قبالة ربعي سراج، كأنما خرج من بئر عميقة في ذاكرة البلاد، حاملاً معه حكايات زمن لم يفرغ من كتابة فصوله. ثلاث ساعات من الحديث، استعاد خلالها خصوماته القديمة، وتناول حميدتي والدعم السريع، وتحدث عن الجنجويد واصفاً إياهم بالمجرمين. كان يتحدث عنهم بلهجة من اكتشف فجأة أن للوحوش أنياباً، وأنها لا تميز بين من أطلقها ومن يقع في طريقها.

يا للمفارقة! أن يجلس رجل تطارده المحكمة الجنائية الدولية باتهامات تتعلق بجرائم دارفور، وتتهمه بدور محوري في تجنيد الجنجويد وتسليحهم وتمويلهم، ليشرح للسودانيين بشاعة المليشيات التي ساهم نظامه في إطلاقها. كأنما يتحدث عن جريمة وقعت في بلاد أخرى، وعن رجال لا يعرف أسماءهم، ولا يعرف الطريق الذي قادهم إلى القرى المحترقة.

لكن حكاية أحمد هارون لم تبدأ أمام الميكروفون. ثمة مسافة طويلة بين فتى خرج من أبو كرشولا، ورجل انتهى اسمه في ملفات المحكمة الجنائية الدولية. وبين المحطتين سيرة تستحق أن تُقرأ، لا بوصفها سلماً للصعود السياسي فحسب، بل باعتبارها رحلة إلى قلب السلطة حين تتخذ من العنف أداة للحكم.

بذرة بعيدة

وُلد أحمد محمد هارون عام 1964 في أبو كرشولا، بجنوب كردفان. تلقى تعليمه في الأبيض، ثم انتقل إلى القاهرة لدراسة القانون بجامعتها، حيث تخرج عام 1987. وفي القاهرة، لم يكن طالباً يكتفي بكتب القانون ومحاضراته؛ انخرط في النشاط السياسي للإخوان،، وتولى رئاسة اتحاد الطلاب السودانيين عن الاتجاه الإسلامي.

في تلك المدينة التي تتقاطع فيها أحلام الطلاب مع خرائط التنظيمات السياسية، تشكلت ملامح رجل جمع بين معرفة القانون وممارسة العمل الحركي. عاد إلى السودان، والتحق بالقضاء في الأبيض، مرتدياً عباءة العدالة، قبل أن يترك قاعاتها ليصبح واحداً من أكبر منتهكي العدالة والقانون في تاريخ السودان السياسي؛ قديمه وحديثه.

عباءة السلطة

تدرج هارون في مواقع تنظيمية وتنفيذية، وعمل في مؤسسات الدولة، حتى وصل إلى وزارة الداخلية وزيراً للدولة عام 2003. كان السودان آنذاك يدخل منعطفاً دامياً في دارفور؛ إقليم واسع، تتسع فيه رقعة الحرب بقدر ما تضيق مساحة الحياة، وتتحول فيه القرى إلى أهداف، والبيوت إلى رماد، والنجاة إلى رحلة نزوح لا يعرف أصحابها أين تنتهي.

في ذلك المشهد، أصبح الرجل أحد أبرز المسؤولين الحكوميين عن الملف الأمني في الإقليم. لم يكن موقعه هامشياً في آلة الحرب؛ فقد نسبت إليه المحكمة الجنائية الدولية دوراً في تنسيق عمل الأجهزة الحكومية والمليشيات المشاركة في الحملة المضادة للتمرد. ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات سيرته قتامة.

معمل الوحوش

كان الجنجويد في دارفور أداة من أدوات السلطة في حربها على التمرد. وقد تولى هارون، وفقاً لما أورده الادعاء أمام المحكمة الجنائية الدولية، دوراً محورياً في تعبئتهم وتجنيدهم وتمويلهم وتسليحهم، وفي تنسيق عملهم مع أجهزة الدولة والقوات الحكومية. لم يكن الأمر مجرد إدارة لملف أمني؛ كان بناء آلة عنف، وتوفير أسباب استمرارها، ثم إطلاقها في فضاء لا تحكمه إلا شريعة السلاح.

في القرى التي اجتاحتها تلك المليشيات، لم تكن الحياة تنتهي بموت أصحابها وحده؛ كانت البيوت تُحرق، والأرض تُنتزع من أهلها، والنساء يحملن في أجسادهن آثار الاعتداء، والأطفال يكبرون على ذاكرة لا تشبه الطفولة. كانت دارفور تدفع من لحمها ودمها ثمن سياسة صاغها رجال في مكاتب الدولة، ثم تُرك ضحاياها لمواجهة الخراب وحدهم.

لم يكن هارون مجرد شاهد على تلك الفظائع. ففي قرارها المتعلق بمذكرة توقيفه، رأت الدائرة التمهيدية للمحكمة وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأنه كان يعلم بالهجمات التي شنها الجنجويد على المدنيين ونهبهم للقرى، وأن خطاباته العامة تضمنت تشجيعاً على ارتكاب أفعال غير قانونية. هكذا انتقل اسمه من سجلات الوظيفة العامة إلى ملف اتهام دولي، تتجاور فيه السلطة مع الدم، والقانون مع انتهاكه.

دفتر الدم

في 27 أبريل 2007، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق هارون، تضمنت 42 تهمة: عشرين جريمة ضد الإنسانية واثنتين وعشرين جريمة حرب. شملت الاتهامات القتل والاغتصاب والتعذيب والاضطهاد والنقل القسري للسكان والنهب والهجمات على المدنيين.

لم تكن تلك إدانة قضائية؛ فالمحكمة لم تتمكن من القبض عليه، ولم تبدأ محاكمته. لكنها كانت مذكرة توقيف تستند إلى اتهامات محددة، وضعت الرجل في قلب أحد أكثر الملفات الجنائية إيلاماً في تاريخ السودان.

وفي 29 يناير 2024، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إدراجه في برنامج مكافآت جرائم الحرب، عارضةً خمسة ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى القبض عليه أو نقله إلى المحكمة أو إدانته. واتهمته صراحة بتجنيد الجنجويد وتعبئتهم وتمويلهم وتسليحهم، وبالمشاركة في الفظائع المنسوبة إليهم. خمسة ملايين دولار لمن يدل على رجل لا تزال المحكمة الدولية تنتظر مثوله أمامها؛ رقم يختصر المسافة الهائلة بين نفوذ الأمس ومطاردة اليوم.

مرآة الخراب

بعد سقوط نظام البشير، انتهى هارون إلى سجن كوبر. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أعلن خروجه من السجن مع عدد من قيادات النظام السابق. ثم غاب عن المجال العام، بينما كانت الدولة التي خدمها تتشظى، وتتنازعها الجيوش والمليشيات، وتنهار مؤسساتها تحت وطأة حرب شارك إرث نظامه في تهيئة أسبابها، على أقل تقدير.

والآن يعود إلى الشاشة، ليتحدث عن الجنجويد بوصفهم مجرمين، ويناقش نشأة الدعم السريع، ويتناول مستقبل السودان والدولة التي انفرط عقدها. كأنما يقف خارج الحكاية، يشرح للناس كيف وصلوا إلى هذا الخراب، ويشير إلى الحريق بيد لا تزال الاتهامات الدولية تربطها بإشعال جزء من نيرانه.

أي مفارقة أن ينافح أحد أبرز رجال النظام السابق عن دولة ساهم في تقويضها، وأن يحاضر في إجرام المليشيات التي كان من أبرز المسؤولين عن تعبئتها وتسليحها وتمويلها!
إن الخراب لا يصنعه دائماً رجل يحمل بندقية؛ أحياناً يصنعه رجل يرتدي عباءة القانون، ويعرف مفاتيح الدولة، ويجيد لغة الإدارة، ثم يفتح أبواب المؤسسات أمام العنف.

ليس المطلوب أن يروي أحمد هارون للسودانيين كيف صار الجنجويد مجرمين؛ فدارفور تعرف ذلك منذ زمن، وتعرف أيضاً الرجال الذين فتحوا لهم الطريق. المطلوب أن يجيب عن موقعه هو في تلك الحكاية، وعن نصيبه من الدم الذي سال، وعن الدولة التي ساعد نظامه على تحويلها إلى حطام.

عاد مولانا إلى الميكروفون، لكن دارفور لم تغادر قفص الشهود. هناك، في القرى التي لم تستعد موتاها، وفي البيوت التي لم تعد إلى أصحابها، وفي ذاكرة الناجين، تقف الحكاية كاملة، بلا مونتاج ولا أسئلة منتقاة. وما لم تقله ثلاث ساعات من الحديث، لن تمحوه سنوات الغياب.

فثمة جرائم لا تسترها البلاغة، وثمة رجال لا تكفيهم الحكايات التي يروونها عن الآخرين. المحكمة تنتظر هارون، ودارفور تنتظر عدالة لم تصل بعد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.