​الفوضى الجوية

صباح محمد الحسن

المساعي المصرية لدفع الحكومة السودانية نحو مواجهة مباشرة مع إثيوبيا، الهدف منها تحويل الأجواء إلى مسرح عمليات مشحون بالطيران والمسيرات، وخلق مسرح عمليات واحد يُحدث حالة من “التعمية” وخلط الأوراق ميدانياً…
ولكن لماذا؟!

​أطياف

​طيف أول:
محنة تقف أمام الشمس المعلقة
تجدد بقيثارة المطر المبحوحة
صوت الخوف الذي أحدثه الظلم
حتى يبدده الضوء!!

​والمعدّنون السودانيون “الدهّابة” هم الأدرى بالمعرفة المحلية والخرائط الإدارية القديمة، والمناطق التي يتم فيها التعدين العشوائي هي أراضٍ سودانية خالصة فمنطقة منجم جبل العقيدات تبعد نحو 20 كيلومتراً جنوب خط عرض 22 شمالاً، والذي يُمثّل الحدود الدولية الفاصلة بين السودان ومصر.
لذلك، فإن حديث المتحدث باسم الجيش المصري بأن الأراضي التي تتم فيها العمليات هي أراضٍ مصرية هو حديث غير صحيح
و 20 كيلومتراً تخرج القضية تماماً من دائرة “الالتباس الحدودي” أو “الخطأ الجغرافي”، وتضعها مباشرة في خانة التوغل العسكري الصريح داخل الأراضي السودانية وفقاً للقانون الدولي والخرائط الحدودية الرسمية المعتمدة بين البلدين.
​لذلك، فإن صمت الفريق البرهان وحكومته الكيزانية عن هذا الخرق الصريح للسيادة الوطنية، أو ربما الموافقة على دخول الطيران للأراضي السودانية، يجعلهم شركاء جريمة؛ فالذي حققه الجنرال البرهان لمصر اقتصادياً إبان حرب 15 أبريل لم يحققه عبد الفتاح السيسي لشعبه. أما حالة السيولة الأمنية والحرب الدائرة في العمق السوداني، فهي تمكّن مصر من شن ضربات وتجاوزات دون خشية وجود أي رد عسكري.
​ولذلك، عندما حذرنا هنا من نتائج قمة العلمين، تحدثنا أنها منصة لحياكة مؤامرة خطيرة، وتساءلنا: لماذا اتخذ وزراء الحكومة القاهرة منصة لهم لإطلاق تصريحاتهم واتهاماتهم ضد إثيوبيا؟
لأن المساعي المصرية لدفع الحكومة السودانية نحو مواجهة مباشرة مع إثيوبيا كانت تحتاج هذا التمهيد الذي يهدف لتحويل الأجواء إلى فضاء مشحون بالطيران والمسيرات؛ وهو ما يُكرّس حالة من الضبابية والفوضى الجوية التي تُفقد المواطن القدرة على تمييز مصدر الطيران وهوية الجهة التي تستهدفه. فالتغطية على التحركات والخلط في الأجواء (الفوضى الجوية ) وإدخال الطيران المسير والمقاتلات الإثيوبية والمصرية والسودانية في مسرح عمليات واحد يُحدث حالة من “التعمية” وخلط الأوراق ميدانياً، وبالتالي صعوبة التحديد والمساءلة فعندما تصبح السماء مكتظة بالمسيرات من أطراف متعددة، حتى أنه يصعب على الجهات المحلية والدولية توثيق هوية الطيران الذي ينفذ الضربات، سواء ضد المناجم أو الأهداف الحدودية، مما يحمي الجانب المعتدي من المساءلة القانونية أو السياسية.
​ولكن لماذا؟؟
لأن مصر تعتبر أن ملف سد النهضة الإثيوبي يمثل “تهديداً وجودياً” لأمنها المائي، وبعد وصول المفاوضات السياسية والدبلوماسية إلى طريق مسدود، ترى القاهرة في تحريك الجبهة الشرقية للسودان (منطقة الفشقة والمناطق الحدودية الإثيوبية) وسيلة لفرض ضغط عسكري وسياسي مباشر على أديس أبابا، وإشغال الجيش الإثيوبي وإنهاكه على حدودها الغربية.
​كما أن إيجاد جبهة صراع جديدة ومفتوحة بين السودان وإثيوبيا يحوّل بوصلة الاهتمام العسكري والتركيز الإقليمي والدولي نحو شرق السودان وحوض النيل الشرقي، مما يخفف من التهديدات المباشرة المترتبة على السيولة الأمنية والتعدين والتهريب على الحدود المصرية السودانية.
​فأكثر ما تتخوف منه مصر هو تزايد النفوذ الإثيوبي في الأزمة السودانية الداخلية أو بناء تحالفات تضر بمصالحها في حوض النيل؛ بالتالي، فإن دفع السودان لمواجهة إثيوبيا يهدف إلى قطع الطريق أمام أي تقارب “سوداني إثيوبي”، وإجبار السلطة في السودان على الارتهان الكامل للمحور المصري كحليف عسكري وثيق لا غنى عنه.
​طيف أخير:
#لا_للحرب
​ظهور أحمد هارون المنهك واليائس، وهو يسخر من ثورة ديسمبر ويتشدق بأن الشعب قد اختار الإسلاميين ويسخر من شعار “أي كوز ندوسو دوس”
لكن ماهي محصلتكم الآن بعد محاربة هذا الشعار سوى القتل والدمار، وانهيار الاقتصاد، وحرب طاحنة تجرجرون فيها أذيال الخيبة دون أن تخرجوا منها منتصرين؟!
أما آن لأحمد هارون وأمثاله أن يدركوا أن ما يجري اليوم ليس خياراً، بل هو قدر إلهي حتمي بأن يدوس الإسلاميون أنفسهم، ليختصروا على الثورة طريقها، ويجسدوا استجابة ربانية خالصة لحلم هذا الشعب !!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.