تصفية نفوذ المصباح ومقتل “النو” في كواليس تنظيم الإخوان وبورتسودان؟

تقرير : منصة عين الحقيقة

لا يمكن قراءة المشهد الميداني والسياسي الراهن في السودان باعتباره مجرد تداعيات تقليدية لحرب طاحنة، فما يطفو على السطح من تحولات هيكلية يخفي تحته صراع نفوذ ضارياً بين مراكز القوى داخل معسكر السلطة في بورتسودان والمنظومة الخلفية لجماعة الإخوان المسلمين. يأتي قرار إبعاد المصباح أبو زيد طلحة عن واجهة قيادة “كتيبة البراء بن مالك”، متزامناً مع مقتل القيادي البارز محمد النو في استهداف بطائرة مسيّرة بمقر جهاز الأمن بمدينة الدبة بالولاية الشمالية، ليضع المتابع أمام نقطة تحول مفصلية تكشف عن تطهير داخلي وهندسة جديدة لأدوات القوة والسيطرة.

طموحات المصباح

لم يكن إبعاد المصباح أبو زيد قراراً إدارياً عابراً، بل جاء نتاجاً حتمياً لتآكل الثقة بين “الحرس القديم” لتيار الإسلام السياسي وبين الوجوه الميدانية الصاعدة. فخلال أشهر الحرب، راكم المصباح شبكة واسعة من العلاقات، محاولاً بناء مركز قوة مستقل مالياً وسياسياً، تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها القيادات التاريخية للتنظيم مثل علي كرتي، وأحمد هارون، وإبراهيم محمود. وتشير المعطيات إلى أن تحركات المصباح الأخيرة نحو تأسيس كيانات سياسية موازية، ونسج شبكة اتصالات خاصة مع الطرق الصوفية والإدارات الأهلية بعيداً عن قنوات التوجيه المركزي للتنظيم، أثارت هلع القيادات التاريخية المحتكرة لقرار الجماعة. لقد رأت هذه القيادات في صعود المصباح تهديداً مباشراً لهيمنتها، وسعت لقص أجنحته عبر قرار الإبعاد لمنع تحوله إلى “زعيم ميليشياوي” يصعب ترويضه لاحقاً.

إعادة هندسة أم تقليم أظافر؟

في تحليل هذه التطورات المتلاحقة، يرى الخبير الاستراتيجي د. عاصم الأضحي أن ما يحدث يعكس أزمة وجودية داخل معسكر حلفاء الجيش: “ما جرى مع المصباح وما واجهه محمد النو في الدبة ليس بمعزل عن الصراع البنيوي داخل شبكات الإسلاميين. الحرس القديم يدرك أن استمرار قيادات ميدانية بصلاحيات مطلقة وبنائ مالی وعسكري خاص يهدد مستقبل التنظيم بعد الحرب. القرار يهدف إلى تفكيك مراكز القوى الشخصية لصالح مركزية أمنية صارمة، دون التخلي عن الفصيل المسلح نفسه.”

من جانبه، يوضح الباحث في الحركات الإسلامية مصطفى إبراهيم أبعاد إعادة هيكلة كتيبة “البراء”: “المشكلة لم تكن في الكتيبة كقوة ضاربَة، بل في أدلجتها العابرة للسيطرة الرسمية. الإخوان يعيدون توزيع التكنولوجيا العسكرية المتقدمة — كالمسيرات وأساليب حرب العصابات — على شبكة قيادية متعددة الرؤوس ومندمجة كلياً مع الأجهزة الأمنية في بورتسودان، لتفادي العقوبات الدولية، ولضمان عدم انفراد شخصية مثل المصباح بقرار السلاح.”

دبة الرعب ومقتل “النو”

جاء مقتل القيادي البارز بكتيبة البراء محمد النو إثر استهداف دقيق لمقر جهاز الأمن في الدبة ليضيف غموضاً مثيراً وتساؤلات حول مدى اختراق الدوائر الأمنية الخلفية للكتيبة. فالحدث يعكس حساسية الموقع الجغرافي للولاية الشمالية، ويؤكد أن تصاعد الصدام البيني وتداخل خطوط الاستخبارات الإقليمية والمحلية بدأ يحصد رؤوس الصف الأول للميدانيين، وسط تضارب الروايات الرسمية حول طبيعة الاختراق والجهة التي تقف خلف الضربات النوعية المتتالية.

تكتيكات بورتسودان

على الصعيد الدبلوماسي والتكتيكي، لم تكن رحلات التكليف الخارجية للمصباح نحو آسيا (مثل الصين وسنغافورة) بمعزل عن هذه الصراعات؛ فقد رغبت قيادة بورتسودان في إزاحة الواجهات المثيرة للجدل والمدرجة على قوائم العقوبات الدولية من المشهد العلني. الهدف المزدوج هنا هو: امتصاص الغضب الدولي: محاولة إقناع العواصم الغربية والإقليمية بأن سلطة بورتسودان تبسط سيطرتها الكاملة على “المليشيات العقائدية” وتخضعها للمؤسسة الرسمية. إدارة الصراع الداخلي: تفريغ طموحات القيادات الشابة وتوجيهها نحو مهام لوجستية خارجية بعيدة عن مراكز صنع القرار السيادي في الداخل.

إبعاد المصباح أبو زيد ومصرع محمد النو يمثلان قمة لصراع خفي يعصف بمعسكر بورتسودان والإخوان. إنها محاولة مستميتة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تدوير الواجهات، وإعادة تموضع الكتائب تحت غطاء أمني رسمي، غير أن اتساع شروخ الثقة بين “شيوخ التنظيم” و”أمراء الميدان” ينذر بتصدعات أعمق ستعجل بانهيار هذا التحالف الهش من الداخل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.