الجامعات الحكومية في السودان.. تعليمٌ للأغنياء أم أحلامٌ مؤجلة للفقراء؟

محمد سراج محمد

 

يبدو أن الحصول على مقعد في جامعة حكومية لم يعد يحتاج إلى التفوق الأكاديمي وحده، بل إلى تفوق آخر لا علاقة له بالعلم: أن تكون ابن أسرة قادرة على الدفع! فالشهادة السودانية لم تعد وحدها مفتاح بوابة الجامعة، وإنما أصبح كشف الحساب المصرفي شريكاً أساسياً في تحديد مستقبل الطالب. وكأن الجامعات قررت أن تضيف إلى شروط القبول شرطاً غير معلن: أن تكون فقيراً بما يكفي لتحلم، وغنياً بما يكفي لتدفع!

المفارقة المضحكة المبكية أن هذه الجامعات اسمها «حكومية»، أي يفترض أنها مؤسسات تعليمية أنشئت لخدمة المجتمع، لا شركات استثمارية تبحث عن زبائن. لكن واقع الرسوم والتسجيل والمصروفات السنوية يجعل كثيراً من الأسر محدودة ومتوسطة الدخل تقف أمام أبوابها عاجزة، رغم أن أبناءها حققوا درجات تؤهلهم للقبول. فأي منطق هذا الذي يسمح لطالب بالتفوق في الامتحانات، ثم يعاقبه بالفقر عند شباك التسجيل؟

والأكثر إيلاماً أن بعض هؤلاء الطلاب لا يحتاجون إلى السفر أو السكن في ولاية أخرى؛ فالجامعة قد تكون في الولاية نفسها، وربما على بعد دقائق من منزل الطالب، لكنه لا يستطيع الالتحاق بها لأن تكلفة التعليم تحولت إلى جبل من الالتزامات المالية. وهكذا يصبح القرب الجغرافي بلا قيمة، وتتحول الجامعة القريبة إلى حلم بعيد، لا تفصل الطالب عنها المسافات، وإنما تفصله عنها الرسوم!

ولننظر إلى المفارقات: أسرة تنفق سنوات عمرها في تعليم ابنها، وتقتطع من قوتها لتوفير الكتب والمواصلات والدروس، ثم تأتي لحظة القبول لتكتشف أن فرحة النجاح كانت مجرد مقدمة لفاتورة لا تستطيع سدادها. وطالب آخر يضطر إلى تأجيل التسجيل أو البحث عن عمل لتوفير الرسوم، بينما يضيع عام دراسي من عمره، لا بسبب ضعف تحصيله، بل بسبب ضعف جيب أسرته.

وفي ظل الحرب التي أنهكت الاقتصاد السوداني، وشرّدت الأسر، وأفقدت آلاف المواطنين مصادر دخلهم، وأغلقت مؤسسات وأوقفت أعمالاً، يصبح رفع الأعباء المالية على الطلاب وأسرهم أكثر قسوة. فهل تعتقد إدارات الجامعات أن الموظف الذي تآكل راتبه، والتاجر الذي خسر تجارته، والنازح الذي فقد منزله، يستطيعون التعامل مع الرسوم الجامعية وكأن السودان يعيش في بحبوحة اقتصادية؟

هنا تبرز أسئلة لا بد من طرحها بصوت عالٍ: ما مبررات هذه الزيادات؟ أين تذهب أموال التسجيل والمصروفات السنوية؟ وكيف تُحسب هذه الرسوم؟ وهل توجد ميزانيات منشورة توضح أوجه الصرف؟ وما حجم الدعم الحكومي المخصص للجامعات؟ ولماذا لا تُراعى الظروف الاقتصادية والاجتماعية للطلاب؟

نحن لا ننكر أن الجامعات تحتاج إلى موارد لتسيير العملية التعليمية، وأن الحرب والأزمة الاقتصادية فرضتا تحديات حقيقية على مؤسسات الدولة. لكن تحميل الطالب وحده فاتورة انهيار الاقتصاد ليس حلاً، وتحويل التعليم الحكومي إلى خدمة لمن يستطيع الدفع ليس إصلاحاً، بل تنازل تدريجي عن إحدى أهم مسؤوليات الدولة.

إن الدولة التي تعجز عن حماية حق أبنائها في التعليم لا ينبغي أن تتباهى بكثرة الجامعات ولا بعدد الكليات، لأن الجامعة التي لا يستطيع الفقراء دخولها تصبح مبنى حكومياً بروح المؤسسة الخاصة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن تتوقف عجلة التعليم لعام أو عامين، بل أن تنشأ أجيال مقتنعة بأن الفقر يحرمها حتى من حق الحلم.

فيا إدارات الجامعات ووزارة التعليم العالي: هل أنشئت الجامعات لتصنع العقول أم لتختبر قدرة الأسر على الدفع؟ وهل أصبح التفوق الأكاديمي بلا قيمة ما لم تسنده محفظة مالية ممتلئة؟

لا تطلبوا من الفقير أن يختار بين تعليم ابنه وإطعام أسرته، ثم تحدثونا عن مجانية التعليم وتكافؤ الفرص. فالجامعة الحكومية التي تغلق أبوابها في وجه الفقير لا تؤدي رسالتها الوطنية، مهما رفعت من شعارات العلم والمعرفة.

والسؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: إذا كانت الجامعات الحكومية ليست ملاذاً لأبناء الفقراء والطبقة المتوسطة، فمن أجل من أُنشئت أصلاً؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.