حين يعجز نظام متهالك عن ستر عوراته السياسية، وحين تضيق به الحيل في إخفاء وجهه الحقيقي، فإنه لا يجد بدّاً من خلع ما تبقى من أقنعة التقية والمواربة ليخرج على الناس بوجهه الحقيقي: وجه الجريمة، والإفلات من العقاب، وتحدي العدالة الدولية والمحلية معاً. هذا ما تجلى مؤخراً في الظهور العلني للمطلوب للعدالة الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، أحمد هارون، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن جماعة الإخوان المسلمين (فلول النظام البائد) قد أحرقت آخر أوراقها، واختارت أن تقامر بما تبقى من مصير السودان في سبيل حماية قياداتها الملطخة بالدماء.
إن ظهور شخصية بحجم ورمزية أحمد هارون — المطلوب لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي في دارفور، الهارب من السجون وسط ظروف ملابسة ومشبوهة منذ اندلاع هذه الحرب — ليس حدثاً عابراً ولا تفصيلاً إدارياً هامشياً. إنه إعلان صارخ ومباشر بأن من يشعلون هذه الحرب اليوم، ومن يتحكمون في مفاصل القرار داخل معسكر بورتسودان، هم أنفسهم تجار الحروب وسدنة الماضي الذين دمروا السودان وقسموه طيلة ثلاثة عقود.
الرسالة واضحة لكل ذي عقل وبصير؛ وهي أن المشروع الذي تحمله الحركة الإسلامية اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لسياسات البطش والخراب ذاتها التي أدخلت البلاد في نفق الموت والتشرد. فهارون لم يعد مجرد مطلوب قضائي فحسب، بل أصبح العنوان الأبرز لعودة “الدولة العميقة” إلى الواجهة، متكئة على بنادق الجيش وواجهاته الكرتونية، لتقول للشعب السوداني والعالم أجمع: “نحن هنا، ولا أبه بإرادة شعب ولا بقرارات عدالة!”
لكن هذا التعامي الأعمى عن نبض الشارع وعن سخط الملايين لا يعكس قوة، بل يعكس منتهى العجز واليأس. فحركة سياسية تضطر إلى إخراج رموزها المطلوبين دولياً من جحورهم لتتصدر المشهد العسكري والسياسي، هي جماعة تحفر قبرها بيدها، وتؤكد للمجتمع الدولي والداخل أن هذه الحرب لم تكن سوى معركة أيديولوجية قذرة لاستعادة كراسي السلطة المفقودة على أجساد الأبرياء.
إن الشعب السوداني الذي ثر ضد الطغيان، ورفض وصاية تجار الدين، ودفع ثمن حريته دماً ودموعاً، لن يرضى بأن يعود ليرزح تحت ناهبي المال العام ومطلقي العنان لآلة القتل. وإن ظهور أحمد هارون ومن على شباكه ليس سوى دليل دامغ على أن معركتنا الحقيقية هي معركة وجود ضد منظومة إجرامية لا تقبل العيش المشترك ولا تعرف للسلام طريقاً.
فلتواصل الحركة الإسلامية حرق أوراقها، ولتخرج كل وجوه الفساد والاستبداد من مخابئها؛ فذلك لن يغير من حقيقة الحتتمية التاريخية شيئاً. إن الطوفان قادم، ولن تنجو قيادات الإرهاب والتجويع من غضب شعب أقسم أن يطوي صفحة الظلام إلى الأبد، وأن يقتص لكرامته وعدالته مهما طال الزمن!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.