في السودان، لا تحتاج الحرب أحياناً إلى اتفاق سلام حتى تتراجع عن صدارة المشهد؛ إذ تكفي صورة عابرة على مواقع التواصل لتزيحها مؤقتاً من اهتمامات الناس، وتنقل النقاش من المأساة الوطنية إلى الإعجاب والتعليقات.
هذا ما حدث مع صورة طفل يُقال إنه من نيالا، أو ربما تكون مولّدة بالذكاء الاصطناعي، انتشرت على نطاق واسع وتحولت إلى موضوع رئيسي للنقاش. انشغل المستخدمون بهوية الطفل ووسامته، بينما تراجعت أخبار الحرب والانتهاكات والنزوح والجوع.
جاء ذلك فيما لا تزال الحرب تحصد أرواح المدنيين، وتدفع ملايين السودانيين إلى النزوح. فالفاشر تواجه كارثة إنسانية، والخرطوم مثقلة بالدمار، فيما تتفاقم معاناة النازحين في الجزيرة ودارفور. وفي نيالا نفسها، يواجه أطفال آخرون مخاطر الجوع والمرض وغياب الخدمات.
ليست المشكلة في تفاعل الناس مع صورة طفل أو بحثهم عن لحظة بهجة وسط واقع قاسٍ؛ فمن الطبيعي أن يبحث المجتمع المنهك عن متنفس. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التفاعل إلى وسيلة لنسيان القضايا الكبرى، وعندما تصبح الخوارزميات هي التي تحدد أولويات النقاش، بدلاً من حجم المعاناة.
قبل أيام، كانت منصات التواصل تضج بشعارات الحرب والتعبئة، من «بل بس» إلى «جغم بس»، والدعوات إلى مواصلة القتال. ثم انتقلت بوصلة الاهتمام إلى صورة طفل، وكأن الحرب لم تكن سوى موضوع مؤقت ينتظر ترنداً جديداً ليحل محله.
وهنا يبرز السؤال: إلى أي مدى أصبحت وسائل التواصل قادرة على توجيه اهتمام السودانيين؟ وهل بات النقاش العام رهيناً للخوارزميات؟
إن الانشغال بالمعارك الكلامية قد يصرف الانتباه عن الأسئلة الأكثر إلحاحاً: من المسؤول عن استمرار الحرب؟ من يحاسب مرتكبي الانتهاكات؟ ومن يحمي المدنيين؟ ولا ينبغي تحميل الجمهور وحده المسؤولية؛ فالسودانيون منهكون، ويبحثون عن لحظات فرح تخفف قسوة الواقع، لكن التعب لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام للنسيان.
والطفل نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للاستقطاب أو الاستخدام السياسي. فهو لم يختر أن يصبح موضوعاً للترند، ومن حقه أن يعيش طفولته بعيداً عن معارك الكبار. وكان الأجدر أن يلفت انتشار صورته الانتباه إلى أطفال نيالا ودارفور الذين يواجهون الجوع والمرض وفقدان التعليم والأمان.
فالصورة لن تطعم جائعاً، ولن تعالج مريضاً، ولن تعيد نازحاً إلى منزله، ولن توقف انتهاكاً. والحرب لن تتوقف بصورة، والسلام لن يولد من تعليق. ما يحتاج إليه السودان هو وقف القتال، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين، وبناء دولة تضمن لأطفالها حقهم في الحياة والتعليم والأمان.
أما الطفل، فدعوه يعيش طفولته. لا ذنب له في حرب لم يخترها، ولا ينبغي أن يكون صورة عابرة نلتف حولها ثم ننسى آلاف الأطفال الذين ينتظرون النجاة.
فهل نستعيد قدرتنا على رؤية المأساة خلف الترند، أم ننتظر الصورة القادمة لنؤجل مواجهة الحقيقة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.