القبيلة عزوة وانتماء.. والوطن بيت الجميع، فلا تجعلوا الأولى سلّماً للسلطة، ولا الثاني ساحةً لتصفية الحسابات.❞
في جمعة جامعة، عقب السقوط المدوي للإنقاذ، قُدِّمت لي ولزوجتي دعوة من أصدقاء إلى لقاء ضم نخبة من السودانيين؛ أساتذة جامعات وأكاديميين وأطباء ومهندسين ومحامين وصحفيين ومحاسبين ومثقفين، من قبائل السودان ومناطقه المختلفة.. كان المقصد إنسانياً تعبدياً: قراءة المصحف كاملاً، وسورة يس، و الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بعدد وصيغة محددة، والابتهال إلى الله بنية الشفاء لطبيب سوداني مريض.
جلس الرجال في ديوانهم، واكتمل جمع النساء، وبينهن طبيبات، في قسم خاص..
انتهت القراءة، فوقف صاحب الدعوة، وهو طبيب استشاري، وقال: (بداية، أنا لست من قبيلة الشايقية، ومن الأمانة أن أعلن للمجلسين أن هناك نيتين لهذا الجمع والقراءة؛ الأولى شفاء المريض، والثانية عودة خمسة من أبناء الشايقية إلى حكم السودان).
ثم طفق يتحدث بإعجاب عن أبناء القبيلة، رجالاً ونساءً، وما رآه في بعضهم منذ الصبا من بروز أكاديمي وتميز مهني وطاقات قيادية، وصفها بأنها (جينات قيادية واضحة).. وساق أسماء لحقب مختلفة، قادت السودان في كل المجالات، غير أنه عرج على حزب المؤتمر الوطني، وذكر علي عثمان محمد طه، وصلاح قوش، وعلي كرتي، وأسامة عبد الله، وعوض الجاز، قائلاً إن هؤلاء الخمسة (حيّروا الأمريكان وغيرهم).
لم يكن اعتراضنا على الإشادة بأبناء الشايقية، ولا على حق أي شايقي في قيادة السودان؛ إنما على انتقال مجلس جمعه الدعاء إلى تبنّي غاية سياسية لم يُستشر الحاضرون بشأنها.. ومن هنا، لم يعد السؤال عابراً: من يملك حق إعلان موقف سياسي باسم قبيلة، أو باسم مجلس لم يفوضه؟..
شُفي الطبيب المريض، وعاد الكيزان إلى حكم السودان، ثم (تجهجه) السودان من جديد، ودفع شعبه أثماناً باهظة من الدم والدمار والجوع والتشرد..
وكأن الدعاء الذي بدأ لشفاء إنسان، قد انتهى إلى أمنية سياسية لم يجنِ الوطن من عودتها سوى مزيد من الأوجاع.. وكما يقول زميلي الدكتور مرتضى الغالي: (الله لا كسب الكيزان)!
(1)
أروي هذه الواقعة بصفتي أحد الذين حضروها، وأضع شهادتي أمام الناس، ومعي من شهد ما جرى.. والله من قبل شاهداً، لا أطلب من أحد التسليم بروايتي دون تحقق؛ فالشهادة حق، والتحقق حق، لكن تحويل مناسبة إنسانية إلى منصة لإعلان موقف سياسي باسم الحاضرين أمر لا يستقيم.. النية الدينية، مهما سمت، لا تمنح صاحب الدعوة تفويضاً سياسياً، وحسن المقصد لا يصادر حق الناس في الموافقة والرفض.. فهل أصبح جمع الناس على الدعاء مدخلاً لجمعهم على مشروع حكم لم يختاروه؟
(2)
أنا من قلب جذور الشايقية، وأعرف أن هذه القبيلة أوسع من أن تُختزل في ناظر أو حزب أو خمسة مسؤولين.. ويشير المؤرخ البروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك، في دراسته (نظارة عموم قبيلة الشايقية: تناقضات العقل السياسي في السودان) إلى أن الإدارة الأهلية بمنطقة مروي عرفت رئيساً للإدارة ورؤساء فروع وعمد ومشايخ قرى وحلال، ولم يكن مصطلح النظارة مستخدماً هناك، كما قامت الإدارة في المنطقة الشمالية على وحدات منفصلة، لا على نظارة قبلية موحدة. فماذا استجد حتى ظهرت الحاجة إلى ناظر عموم؟ وما الوظيفة التي سيؤديها فوق ما تؤديه القيادات المحلية؟
(3)
في يونيو 2018، أُعلن اختيار عثمان سيد أحمد بشير آغا ناظراً لعموم الشايقية، ومحمد عبد الحميد سيد أحمد الجاكومي، نائباً له، وفق ما أورده أبوشوك نقلاً عن بيان اللجنة التمهيدية.. لكن إعلان الاختيار لا يساوي إثبات التفويض العام.. من أنشأ اللجنة؟ ومن اختار أعضاءها؟ وهل انعقدت جمعية عمومية تضم العمد والشيوخ وممثلي القرى والمناطق؟ وأين كشوف المشاركين ومحاضر الاجتماع ونتائج التصويت؟ وهل شمل الاختيار أبناء الشايقية في السودان والمهجر؟ لا نطعن في شخص، ولا نصدر حكماً بالبطلان؛ إنما نطلب دليلاً على التفويض. فمن يتحدث باسم عموم الناس عليه أن يثبت أن الناس اختاروه.
(4)
أما استدعاء قيادات المؤتمر الوطني الخمسة بوصفهم نموذجاً يستحق عودة الحكم، فيفتح باب المساءلة عن تجربة الإنقاذ التي حكمت السودان قرابة ثلاثة عقود.. لكل مسؤول موقعه وفترته وقراراته، ولا يصح دمج سجلاتهم في حكم واحد دون تمييز؛ لكن تجربة الحكم نفسها تستحق سؤالاً لا يهرب منه أحد:( ماذا قدمت للمواطن؟ ماذا فعلت بمؤسسات الدولة؟ وكيف تراكمت الأزمات حتى انفجر السودان في حرب مدمرة؟)..
(وهل إرباك الخصوم الدوليين، كما وصفه صاحب الدعوة، معيار كافٍ لقيادة وطن يحتاج إلى العدالة والسلام والمحاسبة؟)..
إن الإعجاب بقدرات أفراد لا يمحو أسئلة مسؤوليتهم العامة.
(5)
وفي 3 نوفمبر 2026، نشرت (الساقية برس) خبراً بعنوان (ناظر الشايقية يوجه بتدريب ألف مقاتل من شباب القبيلة) أورد توجيهاً بتجهيز ألف شاب للالتحاق بمعسكرات التدريب والمشاركة في الحرب، مع إعلان الوقوف مع القوات المسلحة وقيادتها.. الخبر يثبت ما نُشر، أما التنفيذ وموافقة الشباب وطبيعة المعسكرات والجهة المشرفة عليها فتحتاج إلى تحقق مستقل.. ومع ذلك، يظل السؤال قائماً: “من فوّض النظارة لاتخاذ قرار يتعلق بألف شاب؟ وهل تحولت المؤسسة الأهلية إلى منصة تعبئة عسكرية؟ ومن يملك حق تقرير مصير أبناء القبيلة: هم أنفسهم، أم جهة تتحدث باسمهم؟”.
(6)
لماذا الشايقية تحديداً؟ ولماذا الآن؟ وهل يراد توظيف مكانة القبيلة الاجتماعية ورمزية أبنائها في مشروع سياسي يتجاوز مصالح أهلها؟ وهل توجد صلة بين إحياء النظارة والدعوات إلى الحشد، وبين مساعٍ لإعادة تدوير نفوذ الحركة الإسلامية وقيادات النظام السابق؟..
لا نقرر وجود مخطط مكتمل، ولا ننسب نوايا بلا دليل؛ لكننا نطالب بإجابات عن الوقائع والتوقيت والجهات المستفيدة.. فقد دفع السودان ثمناً باهظاً للتحشيد القبلي، وكلما تراجعت المواطنة تقدمت العصبيات، وكلما ضعفت الدولة تمددت مراكز النفوذ.. ولا يجوز أن نرفض توظيف القبائل عند طرف، ثم نصمت عنه عند طرف آخر.
(7)
الشايقية الذين أسهم أبناؤهم في قيادة السودان، وفي التعليم والثقافة والفنون والاقتصاد، لا يحتاجون إلى وصاية سياسية كي يثبتوا حضورهم.. ومن حق أي شايقي أن يتقدم لقيادة البلاد، كما هو حق لكل سوداني؛ لكن الحكم لا يُورث بالنسب، ولا يُستعاد باسم القبيلة، ولا يُمنح بتزكية مجلس أو لجنة.. لا نريد للشايقية أن يكونوا مخلب قط في صراع على السلطة، ولا جسراً تعود عبره الحركة الإسلامية إلى الحكم على أكتافهم.. نريدهم شركاء في إنقاذ السودان، لا وقوداً لحربه.. نريد دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى قبيلته كي ينال حقه، ولا يحتاج فيها الحاكم إلى قبيلة كي يبرر سلطته.
#مطر_الحصو
إلى أهلنا الشايقية، في امتداد السودان والمهجر: لا تسمحوا لأحد أن يصادر اسمكم، أو يختزل إرادتكم، أو يجعل تاريخكم رهينة موقف سياسي لم تختاروه.. اسألوا ناظركم المعين، وعمدكم، وشيوخكم، وكل من يتحدث باسمكم: من فوضكم؟ وما حدود تفويضكم؟ وأي مصلحة لأهلنا في هذا الطريق؟
وإلى السودانيين جميعاً: لا تجعلوا القبيلة خصماً، ولا تمنحوها حصانة، ولا تسمحوا بتحويلها إلى أداة في يد السلطة أو التنظيم أو السلاح.. فالسودان لا ينهض بتنازع أنسابه، بل بتكامل مواطنيه؛ ولا تُصان كرامة القبائل إلا في دولة تصون كرامة كل مواطن.
#ومضة..
بدأ المجلس بدعاء لشفاء إنسان، وانتهى بإعلان رغبة في عودة رجال إلى الحكم.. وبين المقصدين مسافة لا يقطعها أحد نيابة عن الآخرين.. فالقبيلة لا تُختصر في صوت واحد، والوطن لا يُختصر في قبيلة.
#توقيع_أفق_الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول: الشايقية أكبر من ناظر، وأكبر من حزب، وأكبر من أن يُستعار اسمهم لإعادة سلطة أو الدفاع عن بقائها.. والسودان أكبر من أن تحكمه القبائل؛ إنه وطن المواطنة والعدل والحرية والسلام.
إنا لله ياخ..
الله غالب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.