التجويع سياسة.. كيف يستخدم الإسلاميون الحصار الغذائي لخنق غرب السودان؟
التجويع سياسة.. كيف يستخدم الإسلاميون الحصار الغذائي لخنق غرب السودان؟
لم تعد الحرب في السودان تُخاض بالبندقية والمسيرة فقط، بل انتقلت إلى سلاح أكثر فتكاً، سلاح التجويع، حيث تتهم أوساط حقوقية وسياسية واسعة الجيش السوداني، الذي يوصف من قبل خصومه بأنه واجهة لتنظيم الإخوان المسلمين، بفرض حصار غذائي ممنهج على إقليمي دارفور وكردفان عبر مسارين متوازيين، الحصار الإداري بقرارات المنع والمصادرة، والحصار الجوي باستهداف قوافل الإغاثة الأممية بالطائرات المسيرة.
الحصار بقرارات الطوارئ
في 25 نوفمبر 2025، أصدر والي الولاية الشمالية، الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم، أمر الطوارئ رقم (6) لسنة 2025، وهو الأخطر منذ اندلاع الحرب. وينص القرار على حظر نقل السلع والبضائع من الولاية الشمالية إلى مناطق تواجد قوات الدعم السريع في إقليمي كردفان ودارفور وغرب الولاية الشمالية.
وتضمن القرار عقوبات قاسية، السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وغرامة لا تقل عن عشرة ملايين جنيه سوداني، وفي حالة عدم السداد السجن ستة أشهر إضافية، مع مصادرة السلع ووسيلة النقل وكل ما له علاقة بالمخالفة.
ولم يقف الأمر عند الشمالية. فقد تبع القرار في 20 ديسمبر 2025 قرار مماثل من والي الخرطوم يحظر خروج السلع عبر حدودها الغربية بعقوبة تصل إلى السجن 5 أعوام وغرامة 12 مليون جنيه، ثم قرار ثالث من والي شمال كردفان يمنع خروج السلع الاستراتيجية (دقيق، سكر، أرز، زيت، وقود) من مدينة الأبيض إلا بتصريح.
على الأرض، تم تنفيذ القرارات بصرامة. ففي يناير الماضي، أدانت محكمة الدبة بالشمالية 5 من أصحاب الشاحنات وغرمت كل واحد منهم 10 ملايين جنيه مع مصادرة بضائعهم التي كانت عبارة عن مواد غذائية أساسية (دقيق، سكر، بلح، بسكويت) كانت متجهة لأسواق دارفور، رغم امتلاكهم أوراق عبور. كما وثق محامو الطوارئ اعتقال أكثر من 280 تاجراً في الدبة وأم درمان بتهمة محاولة كسر الحصار.
وقد فجرت هذه القرارات غضباً شعبياً وسياسياً، واعتبر حزب الأمة القومي في بيان رسمي أن القرارات تلحق ضرراً مباشراً بالمدنيين وتتعارض مع مسؤوليات الدولة، مضيفاً أن “استخدام الغذاء كوسيلة لمعاقبة المدنيين يمثل انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي ويشكل جريمة حرب”. فيما أظهر استطلاع لراديو دبنقا أن 85% من السودانيين يرفضون هذه القرارات ويعتبرونها عقاباً جماعياً لسكان غرب السودان.
استهداف القوافل
بالتوازي مع الحصار الإداري، تواصلت هجمات الطائرات المسيرة على قوافل الإغاثة الإنسانية، في جنوب كردفان – 30 أغسطس نفذ هجوم بمسيّرة استهدف قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي خارج مدينة الدلنج كانت تحمل 50 طناً من المواد الغذائية المنقذة للحياة (حبوب وزيت وملح) تكفي 5800 شخص لمدة شهر، رغم حملها شعارات الأمم المتحدة الواضحة وإخطار طرفي النزاع بمسارها مسبقاً، ما أدى لإصابة سائقين مدنيين وتدمير الشحنة بالكامل.
و في شمال دارفور – جبل أوري، أفاد المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان أن مسيرات تابعة للجيش استهدفت 4 قوافل إنسانية تتبع لغرف طوارئ جبل أوري على طريق الطينة – فروك شمال محلية كتم، ما أدى لمقتل 4 أشخاص وإصابة آخرين. ووصف المرصد الحادث بأنه “انتهاك خطير للقانون الدولي الإنساني يرقى إلى جرائم حرب”.
إما في شمال كردفان مدينة الرهد وقع هجوم مماثل على قافلة أممية على بعد 70 كلم شرق الأبيض أسفر عن مقتل شخص وإصابة آخرين.
وأكدت منسقة الأمم المتحدة في السودان أن برنامج الأغذية العالمي سجل 8 هجمات جوية على منشآته وعملياته منذ بداية العام 2026، في بيئة عمل باتت هي الأخطر في العالم.
إدانات دولية
الهجمات على قوافل الغذاء أثارت إدانات دولية واسعة. ففي بيان مشترك، طالب تحالف يضم 9 دول غربية والاتحاد الأوروبي بفتح تحقيق موثوق وشفاف ومحاسبة المسؤولين، معتبراً أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
من جانبه، أدان كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس قصف القوافل، واصفاً تدمير الغذاء المخصص للمحتاجين بأنه “أمر مقزز”.
ويأتي هذا التصعيد الإنساني في وقت يواجه فيه أكثر من 21 مليون سوداني مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي، ونزح أكثر من 11 مليون شخص من منازلهم، وفق تقديرات الأمم المتحدة التي تصف ما يحدث في السودان بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم حالياً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.