العطا والمصباح ومناوي.. خلافات السلاح تكشف صراع الحلفاء

تقرير: عين الحقيقة

لم تعد الخلافات داخل المعسكر المتحالف مع الجيش السوداني مجرد تباينات في وجهات النظر أو اختلافات حول أولويات المعارك، بل بدأت تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بمن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم، ومن يحق له الاحتفاظ بقوته العسكرية خارج مؤسسات الدولة. فبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، يبدو أن التحالف الذي جمع أطرافاً متباينة تحت شعار مواجهة قوات الدعم السريع بات يواجه اختباراً صعباً بشأن مستقبل وجوده ومصالح مكوناته. وفي مشهد يعكس حجم التوتر داخل هذا المعسكر، جاءت تصريحات رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ركن ياسر العطا، بشأن تشكيل أربع مجموعات قتالية لحماية الخرطوم، لتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الجهات التي يستهدفها حديثه، خصوصاً بعدما حذر من أي قوة مسلحة تسعى للوصول إلى السلطة عبر السلاح، أو تحاول فرض إرادتها على الدولة خارج مؤسساتها.

العطا.. الجيش يريد احتكار القوة

في الثاني من نوفمبر الجاري، أعلن العطا تشكيل أربع مجموعات قتالية وصفها بالقوية والقادرة، إلى جانب مجموعات أخرى جاهزة للإسناد والتدخل عند الضرورة. ولم يكن حديثه مجرد إعلان عن ترتيبات عسكرية جديدة لتأمين العاصمة، بل حمل رسائل سياسية واضحة بشأن مستقبل التشكيلات المسلحة ومراكز النفوذ داخل الدولة. فحين يؤكد العطا أن هذه القوات ستواجه أي جهة تهدد أمن الدولة، بغض النظر عن انتمائها الحزبي أو القبلي أو السياسي، ويحذر من الوصول إلى السلطة عبر بندقية الآخرين، فإنه يضع مسألة تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة في قلب الصراع على مستقبل السودان.

وتكشف هذه اللغة عن إشكالية جوهرية داخل المعسكر المتحالف مع الجيش؛ فالقوات التي قاتلت إلى جانبه لا تتطابق بالضرورة في أهدافها السياسية، ولا تتفق جميعها على شكل الدولة التي تريدها بعد الحرب. وبينما يسعى الجيش إلى تثبيت مركزية القرار العسكري، تتمسك بعض التشكيلات باستقلاليتها التنظيمية والعسكرية، مستندة إلى مشاركتها في المعارك وما اكتسبته خلالها من نفوذ. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يريد الجيش إنهاء تعدد مراكز القوة، أم إعادة ترتيبها تحت سلطته المباشرة؟

المصباح.. الحشود أولى بالميدان

لم يتأخر رد قائد فيلق البراء بن مالك، المصباح أبوزيد طلحة، على أجواء التصريحات. فقد نشر منشوراً قال فيه: «طمنوا ساي السلطة دي كان شالها كلب ما في زول بقول ليه جر.. زولاً دايرها ما في وزولاً مصارعكم فيها ما في، الناس تتصارع من أجل البقاء حالياً، الحشود أولى بيها الميدان». ورغم عدم تسمية العطا أو توجيه اتهام مباشر إليه، فإن توقيت المنشور ومضمونه أثارا تساؤلات بشأن طبيعة الرسالة التي أراد المصباح إيصالها، خصوصاً أن حديث العطا تناول صراحة مسألة التشكيلات المسلحة والطموحات السياسية المرتبطة بها.

وتكشف عبارة «الحشود أولى بيها الميدان» عن أولوية يضعها المصباح لاستمرار التعبئة العسكرية وتوجيه المقاتلين إلى جبهات القتال، بدلاً من الانشغال بترتيبات سياسية أو أمنية داخل العاصمة. لكن هذه الرسالة تفتح سؤالاً أكثر حساسية: هل أصبحت التشكيلات المساندة ترى أن مشاركتها في الحرب تمنحها حقاً دائماً في الاحتفاظ بقوتها وقرارها العسكري؟

وتعكس هذه الحالة مأزقاً حقيقياً؛ فالتشكيلات التي جرى الاستعانة بها في الحرب قد تتحول، في غياب ترتيبات واضحة للدمج والتسريح، إلى مراكز قوة يصعب إخضاعها لاحقاً لسلطة الدولة. وفي منشور آخر، حذر المصباح من التراخي في تأمين مدن الجنينة والضعين ونيالا والفاشر وزالنجي والكرمك وقيسان والنهود والخوي وأبو زبد وبابنوسة ومناطق واسعة في جنوب كردفان، معتبراً أن إهمال هذه المناطق قد يكلف البلاد خسائر أكبر مما تكبدته سابقاً. وبذلك يضع المصباح أولوية الميدان في مواجهة أي انشغال بترتيبات أخرى، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل القوات التي تقاتل تحت مظلة التحالف مع الجيش.

مناوي.. الدفاع عن القوة المشتركة

على الجانب الآخر، جاء موقف حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، ليضيف بعداً آخر إلى المشهد. فقد أكد أن معركتهم ليست من أجل سلطة أو مكسب عابر، وإنما من أجل وطن تسوده دولة القانون والمؤسسات، وتصان فيه كرامة الإنسان، ويحصل فيه المواطنون على حقوقهم دون تمييز. كما شدد على أن القوات المسلحة والقوة المشتركة تمثلان مصدر طمأنينة للمواطنين، مؤكداً التزامهم بحماية السكان وممتلكاتهم والدفاع عن حقهم في الحياة الكريمة. ورغم أن مناوي لم يسمِّ العطا أو يعلن أن تصريحاته جاءت رداً عليه، فإن تأكيده على دور القوة المشتركة يكتسب دلالة سياسية في ظل الجدل المتصاعد حول مستقبل التشكيلات العسكرية المساندة.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحاً عند استحضار مواقف سابقة لمناوي دعا فيها إلى بناء جيش وطني موحد، وحذر من مخاطر انتشار الميليشيات والقوات الموازية خارج مؤسسات الدولة. فكيف يمكن الجمع بين الدفاع عن استمرار القوة المشتركة بوصفها شريكاً عسكرياً، والدعوة في الوقت نفسه إلى إنهاء تعدد التشكيلات المسلحة؟ ومن يحدد شروط الدمج وإعادة الهيكلة، وهل ستقبل هذه القوات بالتخلي عن استقلاليتها بعد انتهاء الحرب؟

تحالف الضرورة.. ومصالح ما بعد الحرب

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، جمع المعسكر المتحالف مع الجيش أطرافاً مختلفة في خلفياتها السياسية والعسكرية والأيديولوجية «الإسلاميين». ولم يكن هذا التحالف قائماً على مشروع وطني موحد بقدر ما استند إلى تقاطع المصالح والهدف المشترك المتمثل في مواجهة الدعم السريع. لكن وحدة المعركة لم تعنِ وحدة الرؤية بشأن مستقبل السلطة أو شكل المؤسسة العسكرية أو توزيع النفوذ بعد توقف القتال. فالجيش يريد استعادة مركزية القرار العسكري، والحركات المسلحة تسعى إلى الحفاظ على موقعها السياسي والعسكري، فيما تتمسك تشكيلات أخرى بهياكلها التنظيمية ومواقعها الميدانية. وهذه المصالح المتباينة تجعل التحالف عرضة للاهتزاز كلما اقترب النقاش من ترتيبات ما بعد الحرب. والأخطر أن استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة يهدد بإعادة إنتاج الأزمة التي قادت السودان إلى الحرب، بدلاً من معالجة جذورها. فالدولة التي تعجز عن إخضاع جميع القوات لقيادة واحدة وقانون واحد تظل رهينة موازين القوة، وليس مؤسسات الحكم.

من يحكم السودان.. ومن يملك السلاح؟

تكشف تصريحات العطا والمصباح ومناوي أن الخلاف لم يعد محصوراً في توزيع المهام العسكرية أو تحديد أولويات الجبهات، بل يتصل بجوهر السلطة في السودان: من يملك قرار السلاح، ومن يحدد مستقبل التشكيلات المسلحة، ومن يمتلك حق المشاركة في حكم البلاد؟ إن أخطر ما يمكن أن تفرزه الحرب هو انتقال الصراع من مواجهة بين جيش وقوات متمردة إلى تنافس بين مراكز عسكرية متعددة، لكل منها قيادتها وحساباتها وطموحاتها السياسية.

ولا يكفي أن يعلن الجيش رغبته في احتكار القوة، أو أن تؤكد الحركات المسلحة أنها تقاتل من أجل الوطن، أو أن ترفع التشكيلات المساندة شعار أولوية الميدان. فالمعيار الحقيقي هو مدى الاستعداد للخضوع لقانون واحد وقيادة عسكرية موحدة، والتخلي عن الامتيازات التي صنعتها الحرب. لقد وحّدت الحرب خصوم الأمس في خندق واحد، لكنها لم توحد رؤيتهم للسودان الذي يريدونه. ومع اقتراب الصراع من أسئلة السلطة والنفوذ، يبدو أن المعركة داخل المعسكر المتحالف مع الجيش قد تكون أكثر تعقيداً من مجرد خلاف في التصريحات؛ إنها مواجهة مؤجلة حول من يملك الدولة، ومن يقرر مستقبلها، ومن يحق له الاحتفاظ بالبندقية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.