حكاية ولادة نادرة في دارفوفي قرية نائية بشمال جبل مرة، حيث تشق النساء الحوامل طريقهن عبر الجبال الوعرة لساعات بحثاً عن الرعاية الصحية، كانت رحيمة عبد اللطيف، البالغة من العمر 36 عاماً، تستعد لوضع مولودها. لم تكن تتوقع أن رحلتها إلى مركز أمو للرعاية الصحية الأولية في 28 سبتمبر 2026 ستنتهي بحكاية استثنائية، تحمل في طياتها الفرح والتحدي معاً.
كانت رحيمة، القادمة من قرية أمو فوق الجبلية، التي تبعد نحو ساعتين سيراً على الأقدام عن المركز الصحي، تظن أنها تحمل توأماً. لكن المفاجأة كانت أكبر من توقعاتها؛ فقد وضعت ثلاث طفلات أطلقت عليهن أسماء وردة وزهور وزهرة، بلغ وزن كل واحدة منهن نحو كيلوغرامين.
لم تكن فرحة الأم وحدها بالحدث، فقد سجلت الولادة أول حالة لثلاثة توائم يتعامل معها الفريق الطبي في مشروع روكرو التابع لمنظمة أطباء بلا حدود، التي تدعم المركز الصحي. وبين دهشة المفاجأة وقلق اللحظات الأولى، تابعت القابلات حالة الطفلات حتى تأكدن من سلامتهن، قبل أن تتحول مشاعر التوتر إلى دموع فرح وتأثر.
لكن الحكاية لم تنتهِ عند الولادة. فخلف المشهد السعيد، تواجه رحيمة تحدياً يومياً يتمثل في توفير الحليب الكافي لإرضاع طفلاتها الثلاث، في منطقة تعاني أصلاً من صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية. وتساعدها والدتها وأختها في رعاية الصغيرات، بينما يتولى فريق أطباء بلا حدود متابعة الحالة التغذوية للأم والطفلات، ويوفر الحليب الصناعي للمساعدة في تلبية احتياجاتهن.
رحلة الرعاية وسط الجبال الوعرة
في شمال جبل مرة، لا تقاس المسافات بالكيلومترات وحدها، بل بالساعات التي يقطعها المرضى سيراً على الأقدام للوصول إلى أقرب مرفق صحي. فالمسافة التي تتراوح بين 25 و30 كيلومتراً قد تستغرق نحو أربع ساعات، فيما يضطر بعض السكان إلى المشي سبع ساعات طلباً للعلاج.
وتزداد هذه المعاناة بالنسبة إلى النساء الحوامل، اللواتي يواجهن مخاطر إضافية بسبب وعورة الطرق ومحدودية الخدمات الصحية، ما يجعل وجود المراكز الطبية والقابلات المدربات عاملاً حاسماً في إنقاذ الأرواح.
ومن خلال مشروع روكرو، تدعم منظمة أطباء بلا حدود مستشفى روكرو ومركزي الرعاية الصحية الأولية في أمو وسورتوني، إلى جانب شبكة من العاملين الصحيين المجتمعيين والقابلات في قرى شمال جبل مرة. ويستهدف المشروع خدمة مجتمعات يقدر عدد سكانها بنحو 580 ألف شخص، عبر تعزيز رعاية الأمومة ومتابعة الحمل والولادة وتطوير قدرات الكوادر الصحية.
ولا تقتصر جهود المنظمة على تقديم العلاج داخل المرافق الصحية، إذ تصل فرق تعزيز الصحة إلى المجتمعات النائية عبر مسارات جبلية وعرة، وأحياناً تضطر إلى المبيت خارج مواقع عملها. وتشمل مهامها التوعية الصحية، ورصد الأمراض والأوبئة، ودعم حملات التطعيم، والكشف عن حالات سوء التغذية وإحالتها إلى المرافق المختصة، فضلاً عن مساعدة النساء الحوامل في الوصول إلى الرعاية اللازمة.
فرحة تحتاج إلى رعاية مستمرة
في منطقة أنهكتها الحرب والنزوح المتكرر، تبدو ولادة وردة وزهور وزهرة أكثر من مجرد حدث عائلي نادر؛ إنها قصة عن قدرة الحياة على الاستمرار وسط ظروف قاسية، وعن نساء يقطعن الجبال بحثاً عن حقهن في الرعاية الصحية.
وبالنسبة إلى رحيمة، فإن التحدي لم يعد يقتصر على تجاوز ساعات المخاض والوصول إلى المركز الصحي، بل يمتد إلى توفير احتياجات طفلاتها الثلاث ومتابعة نموهن في بيئة تفتقر إلى كثير من مقومات الحياة.
هكذا بدأت حكاية وردة وزهور وزهرة؛ ثلاث طفلات أبصرن النور في قلب جبل مرة، وسط فرحة أسرة وفريق طبي، وتحديات تذكّر بأن الوصول إلى الرعاية الصحية في دارفور لا يزال رحلة شاقة، وأن إنقاذ الأرواح لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الولادة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.