زيارة البرهان لموسكو.. ماذا عرض على بوتين وماذا عاد به؟

تقرير: عين الحقيقة

لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة لسلطة بورتسودان، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إلى موسكو مجرد تحرك دبلوماسي لتعزيز العلاقات الثنائية بين سلطة الأمر الواقع وموسكو، بل عكست حجم الرهان الذي باتت تعقده سلطة بورتسودان على روسيا، في محاولة للبحث عن سند سياسي وعسكري واقتصادي وسط حرب تستنزف البلاد، وأزمة اقتصادية تتفاقم، وعزلة دولية تضيق معها خيارات السلطة.

وخلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 30 أكتوبر الماضي، طرح البرهان حزمة واسعة من مجالات التعاون، شملت الاستثمار في الذهب والنحاس والمعادن الأخرى، وإنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، إلى جانب مشروعات لتخزين الوقود والقمح وتطوير السكك الحديدية. وهي عروض تتجاوز في أبعادها التعاون الاقتصادي التقليدي، وتضع موارد السودان وموقعه الاستراتيجي في صلب مفاوضات تبحث فيها السلطة عن دعم خارجي. لكن ما يلفت الانتباه ليس فقط حجم ما عرضه البرهان، بل طبيعة المقابل الذي ينتظره، ومدى استعداد موسكو لتقديمه. فبينما تحدثت التصريحات الرسمية عن توسيع التعاون وإعداد خارطة طريق للمشروعات المشتركة، لم يُعلن عن اتفاق نهائي يمنح بورتسودان حزمة دعم مالي أو عسكري جديدة، كما لم تُكشف تفاصيل ملزمة بشأن الاستثمارات أو الترتيبات الاستراتيجية المطروحة.

 

البحر الأحمر.. الورقة الأكثر حساسية

في مقدمة الملفات التي تثير الجدل، يبرز مستقبل الوجود الروسي على ساحل البحر الأحمر، وهو ملف ظل حاضراً في العلاقات بين الخرطوم وموسكو منذ الاتفاق الذي أُبرم عام 2020 بشأن إنشاء نقطة دعم لوجستي للبحرية الروسية. وعادت القضية إلى الواجهة مع المباحثات الأخيرة، وسط تقارير تحدثت عن إعادة بحث إقامة قاعدة بحرية أو نقطة دعم لوجستي روسية، بالتوازي مع طرح فرص استثمارية في الساحل السوداني. وتكمن حساسية هذا الملف في أن البحر الأحمر ليس مجرد مساحة جغرافية قابلة للاستثمار، بل ممر دولي بالغ الأهمية، تتقاطع عنده مصالح القوى الإقليمية والدولية.

 

ومن ثم، فإن أي ترتيبات تمنح دولة أجنبية وجوداً عسكرياً أو لوجستياً طويل الأمد تحتاج إلى نقاش وطني شفاف، يحدد طبيعة الالتزامات وحدودها وانعكاساتها على السيادة والأمن القومي. والسؤال هنا: هل تسعى سلطة بورتسودان إلى إحياء مشروع القاعدة البحرية بصيغة جديدة، أم أن الحديث عن المنطقة الاقتصادية الحرة يمثل مساراً منفصلاً؟ حتى الآن، لا توجد تفاصيل رسمية كافية لحسم ذلك، لكن تزامن الملفين يجعل من الضروري إخضاع أي تفاهمات محتملة لرقابة ومساءلة وطنيتين.

الذهب مقابل السلاح؟

الجانب الأكثر إثارة للقلق في زيارة البرهان يتمثل في تداخل العروض الاقتصادية مع الاحتياجات العسكرية. فالسودان يمتلك موارد معدنية ضخمة، وفي مقدمتها الذهب، الذي تحول خلال سنوات الحرب إلى أحد أهم مصادر التمويل والنفوذ. وفي المقابل، تحتاج المؤسسة العسكرية إلى إمدادات وقطع غيار ومنظومات تسليح متقدمة لمواصلة عملياتها.

وتحدثت تقارير صحفية، نقلاً عن مصادر مطلعة، عن طرح فرص في قطاع التعدين ضمن مباحثات للحصول على معدات عسكرية روسية، بينها الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والذخائر وقطع الغيار. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تكشف عن اتجاه خطير نحو ربط موارد الشعب السوداني الطبيعية باحتياجات الحرب، بدلاً من توجيهها إلى تمويل الاقتصاد وإعادة بناء ما دمرته المعارك. فالسؤال لا يتعلق بحق السودان في تنويع شراكاته الدولية، وإنما بشروط هذه الشراكات، والجهة التي تستفيد منها، وما إذا كانت ستخدم مصالح المواطنين أم تعزز القدرات العسكرية لسلطة تواجه أزمة شرعية وحرباً مفتوحة.

موسكو تحسب مصالحها

في المقابل، لا تبدو روسيا طرفاً مستعداً لتقديم دعم مفتوح دون مقابل. فموسكو، التي تخوض حساباتها الخاصة في ظل صراعات دولية وإقليمية معقدة، تنظر إلى السودان من زاوية مصالح استراتيجية تشمل البحر الأحمر والموارد المعدنية وموقع البلاد الجغرافي. وقد أبدى بوتين اهتماماً بتوسيع التعاون في مجالات متعددة، من بينها الصناعة والتكنولوجيا والصحة والتعليم والنقل، كما أشار إلى أهمية إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية. غير أن هذه التصريحات لا تعني بالضرورة التزاماً روسياً بتوفير الدعم المالي والعسكري الذي تحتاج إليه سلطة بورتسودان.

وهنا تظهر الفجوة بين طموحات البرهان وحسابات موسكو. فالأول يبحث عن دعم يساعده على مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، بينما تتحرك روسيا وفق معادلة المصالح والضمانات، ولا يوجد ما يؤكد أنها مستعدة لمنح بورتسودان ما تريده مقابل عروض لم تتحول بعد إلى اتفاقات نهائية. وبذلك، فإن الحديث عن نجاح الزيارة أو فشلها لا ينبغي أن يُبنى على الانطباعات أو التوقعات، بل على ما تحقق فعلياً من اتفاقات والتزامات معلنة. وحتى الآن، لم يظهر في المخرجات الرسمية ما يوازي حجم الرهانات التي سبقت الزيارة.

اجتماع مؤجل.. وأزمة تنتظر الحل

وفي سياق متصل، قال المحلل السياسي أواب عزام البوشي، في إفادة لـ«عين الحقيقة»، إن البرهان أجّل اجتماعاً كان مقرراً مع رئيس الوزراء كامل إدريس لمناقشة الأوضاع الاقتصادية، انتظاراً لما ستسفر عنه زيارته إلى موسكو، أملاً في الحصول على دعم مالي وسياسي وعسكري. فالسودان لا يواجه نقصاً في الوعود الدولية بقدر ما يواجه غياب الاستقرار وتراجع الإنتاج وتدهور الخدمات وتآكل مؤسسات الدولة. وفي وقت تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية، ويعاني المواطنون من ارتفاع الأسعار ونقص الوقود والكهرباء والدواء، تبدو الأولويات الحكومية بعيدة عن حجم الكارثة.

ثروات السودان لمن؟

الأكثر خطورة أن تتحول الحرب إلى مبرر لتقديم تنازلات استراتيجية، وأن يصبح تأمين السلاح واستمرار السلطة مقدماً على وقف القتال وإنقاذ الاقتصاد وحماية السكان. فالتعاون مع روسيا أو غيرها ليس موضع الاعتراض في حد ذاته؛ إنما تكمن المشكلة في غياب الشفافية، وعدم وضوح المقابل، وطرح ملفات تمس الموارد والسيادة في ظل غياب توافق وطني واسع.

إن البرهان لم يذهب إلى موسكو بصفته ممثلاً لدولة مستقرة تفاوض من موقع القوة، بل في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أعقد أزماتها، وتحتاج فيه السلطة إلى دعم خارجي يعزز موقفها. وهذا الواقع يضع المفاوضات أمام اختبار حقيقي: هل ستُستخدم موارد السودان لبناء شراكة اقتصادية تخدم مستقبله، أم ستتحول إلى أوراق تفاوض لتأمين احتياجات الحرب؟

في النهاية، لا تكمن أهمية زيارة موسكو في الصور والبيانات الدبلوماسية، ولا في الوعود العامة بتوسيع التعاون، بل في حقيقة ما ستلتزم به روسيا، وما ستقدمه السلطة السودانية في المقابل. فالسودان ليس ملكاً لحكومة أو تحالف سياسي، والذهب والبحر الأحمر والموارد الطبيعية ليست أصولاً خاصة يمكن التصرف فيها بعيداً عن إرادة الشعب.

لقد كشفت الزيارة حجم الرهان على موسكو، لكنها لم تقدم حتى الآن دليلاً واضحاً على أن هذا الرهان سيحقق الإنقاذ الموعود. وبينما تنشغل السلطة بترتيب صفقاتها الخارجية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً داخل السودان: متى تصبح الأولوية لإنهاء الحرب وإنقاذ المواطنين، بدلاً من البحث عن وسائل جديدة لإطالة عمر السلطة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.