مؤشرات الحرب والسلام في السودان: بين استعادة الدولة ومخاطر التسوية الناقصة
د. عوض النقر بابكر
بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف على اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، لم يعد السؤال مقتصراً على موعد توقف القتال، بل امتد إلى طبيعة الدولة التي ستنشأ بعده. فالحرب التي بدأت صراعاً مسلحاً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تحولت إلى أزمة وجودية طالت مؤسسات الدولة ووحدة أراضيها ومستقبل نظامها السياسي. وفي ظل المبادرات الدولية المتلاحقة، يبرز سؤال أكثر تعقيداً: هل تقود الضغوط الحالية إلى سلام يعيد بناء الدولة، أم إلى تسوية توقف المدافع وتترك أسباب الحرب قائمة؟
تقتضي الإجابة قراءة متأنية لمؤشرات الحرب والسلام، مع التمييز بين وقف إطلاق النار بوصفه ضرورة إنسانية عاجلة، والتسوية السياسية بوصفها مشروعاً لإعادة بناء السلطة والمؤسسات. فليس كل توقف للقتال سلاماً، كما أن استمرار العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة غياب فرص التفاوض.
يأتي المؤشر العسكري في مقدمة العوامل المحددة لمسار الأزمة. فقد أثبتت الحرب أن السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية لا تكفي وحدها لإنهاء الصراع، خصوصاً مع اتساع استخدام الطائرات المسيّرة وتعدد خطوط الإمداد. لكن ميزان القوة لا يُقاس بالأرض وحدها، وإنما أيضاً بالقدرة على الاحتفاظ بالمؤسسات وإدارة المناطق الخاضعة للسيطرة وتأمين الخدمات الأساسية.
ومن هذه الزاوية، تكتسب قدرة الجيش السوداني على الحفاظ على تماسك بنيته المؤسسية أهمية تتجاوز النتائج العسكرية المباشرة. فالجيش، بحكم موقعه في هيكل الدولة، يمتلك مسؤوليات تتعلق بحماية الحدود والسيادة والأمن الوطني، وهي وظائف لا يمكن أن تستقر في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. غير أن هذه الصفة المؤسسية لا تعفيه من الالتزام بحماية المدنيين أو من الخضوع مستقبلاً لسلطة مدنية دستورية.
أما المؤشر الثاني فيتعلق بطبيعة الخلاف حول الترتيبات الأمنية. فالمشكلة لا تكمن فقط في تحديد مواقع القوات أو توقيت انسحابها، بل في السؤال عمن يمتلك حق استخدام القوة داخل الدولة. وتكشف الخلافات حول انسحاب قوات الدعم السريع من المدن وتجميع قواتها ومستقبل دمجها أو تسريحها أن الأزمة تتجاوز تقاسم السلطة إلى إعادة تعريف المؤسسة العسكرية نفسها.
وفي هذا السياق، تستند مطالب الجيش المتعلقة بانسحاب القوات المسلحة الموازية من المناطق المدنية إلى حجة أمنية جوهرية: لا يمكن بناء استقرار طويل الأمد إذا ظلت المدن والمرافق العامة خاضعة لترتيبات عسكرية متنافسة. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الترتيبات يتطلب آليات مراقبة مستقلة وضمانات تمنع تجدد الانتهاكات من أي طرف.
ويبرز المؤشر الثالث في طبيعة المبادرات الخارجية. فقد شهدت الأشهر الأخيرة تحركات دبلوماسية متعددة لتنسيق جهود وقف الحرب وربط الهدنة الإنسانية بمسار سياسي. غير أن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة اقتراب الحل، خصوصاً عندما تختلف الأطراف الدولية حول ترتيب الأولويات بين وقف القتال والترتيبات الأمنية والانتقال السياسي.
وتواجه الوساطات هنا معضلة حقيقية. فالضغط من أجل وقف فوري لإطلاق النار يستجيب لمعاناة ملايين السودانيين، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال السلاح المنتشر خارج مؤسسات الدولة. وفي المقابل، فإن اشتراط معالجة جميع الملفات الأمنية قبل أي تهدئة قد يطيل أمد المعاناة الإنسانية. ولذلك تبدو الحاجة ملحة إلى مسار متزامن يجمع بين حماية المدنيين، والانسحاب من المرافق المدنية، وضمان وصول المساعدات، ووضع جدول قابل للتحقق لمعالجة وجود القوات الموازية.
أما المؤشر الرابع فهو الكلفة الاقتصادية والاجتماعية. فقد أدت الحرب إلى تدمير واسع للبنية التحتية، وتعطيل الإنتاج، ونزوح الملايين، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية. غير أن الاستنزاف الاقتصادي لا يقود تلقائياً إلى السلام، لأن الحروب الطويلة قد تخلق شبكات مصالح تستفيد من السيطرة على الموارد والطرق التجارية والجبايات غير النظامية.
ومن هنا تصبح استعادة المؤسسات المالية والإدارية، وتوحيد إدارة الموارد العامة، ومنع اقتصاد الحرب من التحول إلى نظام دائم، عناصر أساسية في أي مشروع للسلام. ولا يكفي أن تتوقف المعارك إذا بقيت الموارد موزعة بين سلطات مسلحة متنافسة، أو إذا عجزت الدولة عن استعادة قدرتها على تقديم الخدمات وحماية المواطنين.
ويتمثل المؤشر الخامس في مستقبل العملية السياسية. فالدولة التي يطمح السودانيون إلى استعادتها لا ينبغي أن تكون مجرد عودة إلى الأوضاع التي سبقت الحرب، بما حملته من اختلالات في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية. فالحفاظ على مؤسسة عسكرية وطنية موحدة لا يتعارض مع بناء نظام مدني ديمقراطي، بل يفترض أن يكون جزءاً من ترتيبات دستورية واضحة تحدد مسؤوليات الجيش وتمنع تدخله في التنافس السياسي.
وهنا يظهر الفارق بين دعم بقاء مؤسسات الدولة وبين منح أي مؤسسة تفويضاً سياسياً مفتوحاً. فالمؤسسة العسكرية الموحدة شرط مهم للاستقرار، لكنها ليست بديلاً عن الشرعية المدنية أو المشاركة السياسية أو العدالة. كما أن معالجة الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون يجب أن تستند إلى تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها، أياً كانت مواقعهم.
وعند جمع هذه المؤشرات، يتضح أن الأزمة السودانية لا تحتمل اختزالاً في ثنائية الحسم العسكري أو التسوية السياسية. فالحسم الذي لا يفضي إلى استقرار مؤسسي قد يترك البلاد أمام تمردات جديدة، والتسوية التي تتجاهل تعدد الجيوش قد تؤسس لحرب مؤجلة. ولذلك فإن المعيار الأهم لنجاح أي اتفاق هو قدرته على إنهاء الازدواج العسكري وإعادة بناء سلطة عامة واحدة تخضع للقانون.
وتبقى قدرة الجيش على تحقيق مكاسب ميدانية عاملاً مؤثراً في شروط التفاوض، لكنها لا تكفي وحدها لضمان نتيجة سياسية مستقرة. فالتقدم العسكري يحتاج إلى إدارة مدنية فعالة للمناطق المستعادة، وإلى ضمانات لعودة النازحين، واستعادة الخدمات، وفتح المجال أمام عملية سياسية شاملة. ومن دون ذلك قد تتحول المكاسب العسكرية إلى مسؤوليات أمنية واقتصادية يصعب تحملها.
فإلى أي الاحتمالين تميل الكفة؟
تشير المعطيات إلى أن الطريق نحو سلام شامل لا يزال معقداً، لأن الخلافات المتعلقة بمستقبل القوات المسلحة وترتيبات السلطة لم تُحسم بعد. وإذا بقيت الحوافز العسكرية والسياسية على حالها، فإن استمرار القتال المتقطع أو التوصل إلى هدن محدودة يظل احتمالاً جدياً في المدى القريب.
غير أن طبيعة التسوية المنشودة لا تقل أهمية عن توقيتها. فالاتفاق الذي يضمن وقف إطلاق النار دون معالجة وجود القوات المسلحة الموازية قد يخفف المعاناة مؤقتاً، لكنه سيبقي أحد أبرز أسباب النزاع قائماً. أما الاتفاق الذي يجمع بين حماية المدنيين وتوحيد المؤسسة العسكرية وفتح الطريق أمام حكم مدني، فيمتلك أساساً أقوى للاستمرار.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه الجهود السودانية والدولية ليس فقط كيف نوقف الحرب، وإنما كيف نمنع تكرارها. والإجابة تبدأ من استعادة احتكار الدولة المشروع للسلاح، وإخضاعه لسلطة دستورية، وإعادة بناء المؤسسات على أسس وطنية لا فئوية.
فالسودان لا يحتاج إلى سلام يعيد توزيع البنادق بين المتنافسين، بل إلى سلام يجعل الاحتكام إلى البندقية خارج قواعد الدولة أمراً غير مقبول. وعندها فقط يصبح توقف المدافع بداية لاستعادة الوطن، لا مجرد استراحة بين حربين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.