البرهان يصدر الجنود ليموتوا في اليمن!

يوسف عزالدين

لم يعد هناك ما يدهشنا في جمهورية البرهان وكيزانه. فكلما ظننا أنهم وصلوا إلى قاع الانحطاط، اكتشفنا أن تحت القاع قاعاً آخر أكثر عمقاً ونتانة.
آخر ابتكارات سماسرة الحرب، في وقت يحترق فيه السودان، وتُذبح شبابه، ويضيع مستقبل أطفاله، أنهم قرروا فجأة أن مشكلتهم الأساسية ليست الحرب الداخلية، بل الحوثيون في اليمن!
نعم، البرهان الذي فشل في حماية محطة كهرباء واحدة في بلده من مسيّرة، قرر أن يرسل لواءً كاملاً من القوات المسلحة، ومعه كتائب الإسلاميين وقوات درع السودان، ليحاربوا الحوثيين نيابة عن السعودية.
يا للبطولة! يا للعبقرية العسكرية الفذة!
فأصبح الآن هو الجيش الذي لا يحمي بلده، يحمي حدود غيره.
اسأل أي جندي سوداني اليوم: ما شعورك وأنت تُرسل إلى الحدود السعودية اليمنية، بينما أهلك في أم درمان لا يجدون ماءً ولا كهرباء، وأخوك محاصر في الفاشر يأكل أوراق الشجر؟
البرهان لا يملك إجابة؛ لأنه لا يرى في الجندي السوداني إلا سلعة، سلعة رخيصة للتصدير.
الجيش الذي عجز عن استرداد مدينة واحدة من الدعم السريع خلال عامين ونصف، سيذهب الآن لينتصر على الحوثيين الذين هزموا السعودية والإمارات وأمريكا مجتمعة لمدة عشر سنوات؟ هذا ليس غباءً عسكرياً، بل انتحار جماعي مدفوع الثمن.
الجنود أنفسهم، بحسب المصدر، أُبلغوا بالمهمة دون أي تفاصيل عن الاتفاق أو المقابل. يعني ببساطة: «اركبوا الطائرة، موتوا هناك، ونحن هنا سنقبض الثمن». هذا ليس جيشاً وطنياً، بل عصابة تهريب بشر ببدلة عسكرية.
الذين كانوا يصرخون: «هي لله، هي لله»، و«الجهاد في سبيل الله»، أصبح جهادهم اليوم جهاداً في سبيل الريال السعودي. ومن كان يقاتل من أجل «تحرير فلسطين» أصبح يقاتل من أجل تحرير «جيزان ونجران».
الكيزان لم يتغيروا أبداً. فمنذ عام 1989 وهم يبيعون كل شيء: باعوا الجنوب، وباعوا حلايب، والفشقة، والميناء، والآن يبيعون لحم أولاد الناس.
هم لا يذهبون إلى اليمن من أجل العقيدة، بل من أجل شيئين: أولاً، تبييض وجوههم أمام السعودية بعد أن لفظتهم كل العواصم. ثانياً، الحصول على تمويل جديد لاستمرار حربهم العبثية في السودان.
دم السوداني في اليمن سيتحول إلى وقود لدباباتهم في الخرطوم. دم مقابل بنزين. هذا هو شعارهم الجديد.
وموقع «Defence Matters» قالها بوضوح في 3 نوفمبر: قوات مقابل وقود. يعني أن الجندي السوداني أصبح يساوي جالون بنزين. أرخص من ذلك لم نرَ في التاريخ.
وماذا عن درع السودان؟ القوات التي صدّعت رؤوسنا بأنها جاءت لحماية السودان والجزيرة من الجنجويد، ها هي اليوم تتحول إلى شركة أمنية خاصة تعمل لحساب الرياض.
أين الدرع؟ الدرع أصبح في اليمن، والجزيرة لمن؟ الجزيرة للجوع والمرض.
هذا هو التحول الطبيعي لكل الميليشيات التي صنعها الكيزان. تبدأ بشعار وطني، وتنتهي مرتزقةً لمن يدفع أكثر. اليوم السعودية، وغداً من يدفع أكثر؟
أصبح البرهان الرئيس الذي لا يملك قراره
السؤال الذي يجب أن يسأله كل سوداني: من الذي أجاز هذه المشاركة؟ البرهان؟ مجلس السيادة؟ البرلمان الذي لا وجود له؟
لا أحد يعرف؛ لأن السودان الآن يُدار كدكان مغلق.
البرهان يوقّع اتفاقات سرية، ويرسل أبناءنا للموت سراً، ويقبض الثمن سراً. تماماً كما فعل عندما وقّع اتفاق الدفاع المشترك سراً، وكما يفعل في كل ملف.
البرهان يريد أن يقول للسعودية: «أنا ما زلت مفيداً، فلا تتخلوا عني». يريد أن يشتري بقاءه في السلطة بدماء الجنود. هو يعلم أن كرسيه يهتز، وأن الشارع السوداني كرهه، وأن الجيش نفسه منقسم، فقرر أن يلعب ورقته الأخيرة: أن يكون حارساً للسعودية.
لكن التاريخ لا يرحم. البشير فعلها قبلك، وأرسل 30 ألف جندي إلى اليمن، فماذا كانت النتيجة؟ سقط البشير، وسقط نظامه، وبقي جنودنا جثثاً في صحراء مأرب، لا يعرف أهلهم أين دُفنوا.
وأنت تسير على الطريق نفسه، وبالغباء نفسه، وستلقى المصير نفسه.
السودان ليس للبيع
السودان ليس سوقاً للنخاسة. الجندي السوداني ليس كيس وقود، والدم السوداني ليس رخيصاً إلى هذه الدرجة.
إذا كانت السعودية تريد من يحارب الحوثيين، فلتذهب بجنودها. وإذا كان البرهان يريد وقوداً، فليبع قصوره في بورتسودان، وليبع شركات الجيش التي تنهب قوت الشعب.
أما أن يرسل أبناءنا ليموتوا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، بينما بلدنا محتل ومحروق، فهذه ليست سياسة، بل خيانة عظمى مكتملة الأركان.
التاريخ سيسجل أنه في الوقت الذي كان فيه السودان يحتاج إلى كل بندقية، باع البرهان وكيزانه البنادق والرجال في سوق الرياض.
ولن ننسى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.