​​بلا قطيعة

أطياف ــ صباح محمد الحسن

​طيف أول:
للأوطان التي أصبحت أكواماً رمادية
وما كفّ سهادها،لذكرياتها الآمنة رغم مطاردة الرصاص لها
لساعة الغسق التي لا ميقات بعدها
إلا الصباح!!

​ودعا وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، مجلس وزراء الإعلام العرب إلى اتخاذ موقف عربي واضح وحازم إزاء الهجمات التي تشنها الدعم السريع على السودان انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية، وإدانة أي تدخل أو تورط أو دعم مالي أو عسكري أو لوجستي من شأنه زعزعة استقرار البلاد وتأجيج الحرب ضد شعبها.
​وطالب الإعيسر، في كلمته أمام الدورة السادسة والخمسين لاجتماعات مجلس وزراء الإعلام العرب المنعقدة بالقاهرة، بالعمل على حماية الشعب السوداني وصون أمنه واستقراره، مؤكداً أن الدماء التي تسيل من أبناء السودان هي دماء عربية، وأن الوجع السوداني هو وجع عربي.
​والمتابع يلاحظ انخفاض وتيرة الاتهام من قبل الحكومة من اتهام مباشر وتعدٍ من دولة إثيوبيا، إلى مجرد انطلاق مسيّرات الدعم السريع من أراضيها. أما دماء السودانيين فلا أدري كيف يتحدث عنها الإعيسر ولم يذكر أو يتذكر دماء المعدنين فالمسيّرات، إن كانت من الدعم السريع أو إثيوبيا، دمرت الكهرباء، ولكن دماء السودانيين (الجد) هي دماء المعدنين التي راحت في (شربة مية).
​ويطالب الإعيسر جامعة الدول العربية باتخاذ مواقف جادة ومسؤولة لوقف تورط الدول الداعمة للميليشيا. ولكن، لماذا تنطلق تصريحات وزراء الحكومة السودانية للهجوم على إثيوبيا من القاهرة وليس من بورتسودان؟ فقبل يومين خرج وزير الخارجية بتصريحات مماثلة أكد فيها الاحتماء الواضح بالقاهرة ضد إثيوبيا، مما يعني خلط الحكومة (الدماء بالماء)؛ فقضية مصر مع إثيوبيا قضية مياه، بينما الحكومة السودانية، منذ بداية الحرب وحتى يومنا هذا، قضيتها مع الدعم السريع أو اتهامها لإثيوبيا قضية حرب راحت فيها دماء السودانيين هدراً بسبب الطرفين.
​والتفسير والتبرير لاتخاذ هذه المنصة الجديدة للحكومة كنقطة ارتكاز سياسية ضد أي طرف خارجي سواء إثيوبيا أو غيرها من داخل القاهرة أو منصات الجامعة العربية، يؤكد أن الحكومة لم تعد تملك ثقلاً سياسياً وإعلامياً كبيراً في الداخل، في حالة انصهار واضحة للقرار السيادي والسياسي.
​حتى إن سياسة وأسلوب عدم المواجهة المباشرة والتصريح عبر (الوكالة السياسية) وإدارة الأزمات الخارجية والضغوط الدبلوماسية عبر المظلات الإقليمية يعني أن الصوت المحلي المتضرر يتجنب الدخول في مواجهات ثنائية مع الدولة المتهمة، التي مارست تكتيك الهجوم الدبلوماسي المسبق ولجأت إلى اتخاذ خطوة تصعيدية حاسمة مثل إعلان السفير السوداني “شخصاً غير مرغوب فيه”. وهي محاولة لفرض واقع جديد، وردع الطرف الآخر عن الاستمرار في توجيه الاتهامات على المنصات الإقليمية، وحصر الخلاف في إطار نزاع ثنائي بدلاً من تدويله.
​وقد تسعى إثيوبيا من خلال هذه الإجراءات الصارمة إلى نفي أي اتهامات بالتورط أو تقديم الدعم لأي طرف، ونقل الرسالة للرأي العام الداخلي والدولي بأنها لا تقبل التشكيك في موقفها أو استغلال أراضيها كمادة للتصريحات الإقليمية.
​ويقيني أن هذه المفارقة الدبلوماسية تؤكد أن العلاقة بين الطرفين تمر بمرحلة إثبات مواقف وتدافع سياسي، يحاول فيه كل طرف استخدام أدواته المتاحة، سواء عبر تصعيد الإجراءات على الأرض أو عبر الحشد الإعلامي والدبلوماسي في المنصات المشتركة.
​وبالرغم من أن الحكومة السودانية واصلت اتهاماتها لإثيوبيا، إلا أنها اختارت عدم التعامل بالمثل وعدم القيام بطرد السفير الإثيوبي في خطوة متبادلة ومباشرة؛ وهو ما يؤكد أن الخرطوم تحاول الإبقاء على قنوات الاتصال الأدنى و(حفظ الروابط الدبلوماسية) لتجنب الوصول إلى مرحلة القطيعة التامة، مثلما فعلت مع الإمارات تماماً: اتهامات عبر الأجهزة الإعلامية وفتح قنوات مصالح اقتصادية ومصرفية دون اللجوء إلى القطيعة الدبلوماسية. وكذلك تمارس ذات النهج مع إثيوبيا، خاصة مع وجود ملفات حدودية وأمنية معقدة وشائكة على الشريط الحدودي الممتد بين البلدين.
​لذلك يبقى السؤال: لماذا تتهور الحكومة في البداية بإعلان اتهامها مباشرة للدول، ومن ثم تسعى لخفضه وتجنب اتخاذ إجراءات دبلوماسية واضحة لتجعله اتهاماً بلا قطيعة رغم خطورته ولماذا تظهر وكأنها تتقدم للدفاع وتعود إلى مكانها لتؤكد أن (المحرَّش ما بكاتل)
فهذا التراجع عن قضايا مثل الدم والأرض والتلاعب بها يكشف أن الحكومة تستخدم المواطن فقط لتدير لعبتها السياسية.. ولا أكثر!!
​طيف أخير:
#لا_للحرب
دشنت الجالية السودانية بأكسفورد مبادرة (نداء أكسفورد للسلام في السودان) تحت شعار “نعم للسلام.. لا للحرب”، في تظاهرة حضرها لفيف من الرموز الوطنية من كافة أطياف المجتمع. ولم تقتصر المبادرة على المطالبة بوقف الحرب فحسب، بل قدمت رؤية سياسية عميقة لمفهوم السلام، الذي وصفته بأنه ليس ضعفاً بل شجاعة تتمثل في الاعتراف بحق الآخرين في الحياة والعيش الكريم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.