الجميل الفاضل يكتب من رواندا: تُرى ماذا يُخبئ الغيب في جيوبه للسودان؟!
ثمة اشتباك خفيّ لا تراه العيون، يدور في المسافة الفاصلة بين عجز الإنسان وسعة التدبير الإلهي؛ هناك، حيث تنفد حيل الأرض ولا تنفد حيل السماء، وحيث يبلغ الاضطرار منتهاه، فتستيقظ في الروح بصيرة لم تكن لتولد في فسحة الاختيار.
ولعلّ من أعمق أسرار نوع هذه المقاومة أن يكتشف الإنسان، في ذروة عجزه، أن العجز ليس نهاية الطريق، وأن الأبواب التي أوصدتها المقادير قد تكون هي نفسها التي توقظ في الغيب أبواباً لم تخطر على بال.
تأملوا كيف ينقل القرآن الكريم البصر من ضجيج المؤثرات إلى سلطان المشيئة، في شأن السحر والمكائد، بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. كأن الآية تنزع عن الأشياء أوهام استقلالها، وتردّها إلى حقيقتها الأولى؛ فلا قوة تستقل بأثرها، ولا كيد يملك خاتمة أمره، ولا شيء يقع خارج علم الله وإذنه بالضرورة.
ثم تأتي المشكاة النبوية لتعمّق ذات المعنى، بقوله (ص): «واعلمْ أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك».
فكأن السر ليس فيما يملكه الآخرون لك أو عليك، إنما فيما جرت به الأقدار، وما أذن له أن يكون.
غير أن القدر ذاته ليس جداراً أصمّ في وجه حركة الإنسان؛ فالدعاء من أقدار الله، والسعي من أقداره، والرجاء الذي ينهض في قلب المنكسر قد يكون من جملة الأسباب التي ساقها الله إليه من دون أن يدري.
وفيما نقرؤه عن المحو والإثبات، تلوح لنا نافذة من نوافذ هذا التدبير الذي لا نحيط بأسراره، ولا نقرأ من بين سطوره إلا ما تكشفه لنا لحظة الوقوع.
وهنا تبلغ القصة أقصى درجات رهافتها: أن يكون الاضطرار الذي يدفعك إلى الدعاء، هو نفسه أحد وجوه التدبير الذي ساقك إلى الإجابة.
فالله الذي يوقظ السؤال في قلبك، يعلم موضع الجواب منه؛ والذي يلجئك إلى بابه، لا يعجزه أن يفتح لك من أبواب لطفه ما لم تكن تحتسب.
وللحقيقة، فما الدعاء إلا حركة الروح في فضاء القدر؛ بفرار العبد من قدر إلى قدر، والتجاء المخلوق إلى خالق لا يخرج شيء عن مشيئته وسلطانه.
إنه ذلك السر الذي يجعل الدعاء أكثر من طلب، والاضطرار أكثر من عجز؛ فكأن الروح، حين تتقطع بها الأسباب، تكتشف أن انقطاعها ليس انقطاع الطريق، وأن آخر ما تبلغه حيل الإنسان قد يكون أول ما تنفتح عنده آفاق العناية.
كما أن ليس في هذا تعطيل للأسباب، ولا استقالة من مسؤولية الحياة؛ فلعلّ صدق الالتجاء هو الذي يهب الإنسان شجاعة النهوض، بعد أن يردّ إليه إرادته عندما تستهلكها المحن، فيقاوم ما استطاع، ويحمي ما استطاع، ويزرع في أرض يباب أسباباً للحياة.
إذ ليس التوكل أن ننتظر الأقدار من غير أن نمشي إليها، بل أن نمشي في الأرض بكل ما أوتينا من قوة، وقلوبنا معلّقة في ذات الوقت بمن في يده مقاليد الأمور كلها.
ومن هذه النافذة الغيبية، دعوني أطل على السودان.
هذا البلد الذي أُثقل بما يفوق طاقة الاحتمال، وتنازعته أيدي القوة، حتى كأن الأرض قد ضاقت بأهلها، والجهات قد أغلقت أبوابها، والليل قد نسي موعد الفجر.
لكن من قال لكم إن ما تراه العيون هو كل ما يجري؟ ومن قال إن التاريخ لا يكتب إلا بالحبر الذي تراه الأيدي، وإن الدم وحده هو مداد هذه اللحظة؟
ربما كان وراء هذا الركام مداد آخر؛ مداد الاضطرار الذي تصعد به أكف الملايين، وتختلط فيه دموع الأمهات بأنفاس المكلومين، وتلتقي عنده دعوات الذين لم يبق لهم من حيلة سوى أن يطرقوا باب السماء.
ولذلك أتصور أن اضطرار أهل السودان ليس هباءً منثوراً، ولا وجعهم صدفة عابرة في كتاب الحياة.
لكن ينبغي أيضًا ألا نجعل من الألم قدراً يعفينا من مقاومته، ولا من الدعاء بديلاً عن استنقاذ الإنسان من براثن الموت والجوع والتشرد.
فلعلّ بعض أبواب النجاة تبدأ حين تنفد مفاتيحنا، وبعض البصائر لا تستيقظ إلا حين تنكسر مرايا يقينها القديم.
تأملوا معي قصة يونس حين أحاطت به الظلمات، وموسى حين أُلقي في اليمّ، وأيوب حين طال به الضر؛ لم تكن الظلمة آخر المطاف، ولا اليمّ نهاية الطريق، ولا المرض خاتمة الصبر.
فقد كان في قلب كل محنة من هذه باب لا تراه العين ساعة وقوع المحنة، وكانت للعناية طرائق لا تستنسخها حسابات البشر العادية.
فمن أخرج يونس من ظلمات البحر، وردّ موسى إلى أمه، وكشف الضر عن أيوب، لا يعجزه أن يفتح لهذا البلد المنهك نافذة للنجاة، وأن يجعل من بين صدوع هذا الخراب ممراً إلى حياة أخرى.
على أية حال، ليس المطلوب منا الآن أن نعرف ماذا يكتب الغيب للسودان؛ فذلك مما استأثر الله بعلمه، وإنما أن نحسن الوقوف في حضرة المجهول، وألا نسمح لليأس أن ينتزع منا القدرة على الرجاء، أو أن تتحول المحنة في عقولنا إلى ذريعة لتخلينا عن أي إنسان كان.
فقد لا يكون السودان الآن في اللحظة التي تنتهي فيها أقداره، إنما هو في لحظة تنكشف فيها أقدار أخرى تبرز ما بإمكانه أن يكون؛ لحظة يعيد فيها اكتشاف نفسه، ليستردّ كينونته كوطن من تحت ركام الامتلاك والاستباحة، وطن يتعلم أن القوة التي لا تحرس الحياة ليست إلا وجهاً آخر للعجز.
المهم، ربما كان أجمل ما يمكن أن يكتبه هذا البلد في كتاب تاريخه، ألا يخرج من هذه النار كما دخلها؛ بل أن يخرج وقد تعلّم كيف يصون الإنسان، وكيف يردّ القوة إلى ميزانها، وكيف يجعل من أوجاعه جسراً إلى بلد لا يُستباح فيه الضعفاء، ولا يُترك فيه الجائع وحيداً، ولا يُقاس فيه الإنسان بقدرته على الغلبة، إنما بما يجب أن يضيفه إلى حياة العالم والآخرين.
وبالطبع ليس كل ما يُكتب بالدم يبقى دماً، وليس كل ما يولد من الرماد يظل رماداً.
ولعلّ مداد الاضطرار، حين ترفعه القلوب إلى السماء، لا يكتب للسودان عودةً إلى ما كان، بل يفتح له باباً إلى ما كان ينبغي أن يكون منذ الأزل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.