الحرب تحرق الداخل.. والبرهان وقيادات الإسلاميين بين تركيا ومصر وقطر

تقرير: عين الحقيقة

في السودان الذي أنهكته الحرب، لم يعد السؤال عن عدد القتلى والنازحين والجوعى وحده كافياً لفهم حجم المأساة؛ فهناك سؤال آخر أكثر قسوة: كيف يعيش الذين يمسكون بمفاتيح السلطة والحرب، بينما يدفع ملايين السودانيين ثمن الصراع من حياتهم وأمنهم ومدخراتهم ومستقبل أبنائهم؟ .

من الخرطوم إلى دارفور وكردفان، يعيش ملايين السودانيين تحت القصف والنزوح والجوع، بينما تحولت العواصم الإقليمية إلى محطات متكررة لقيادات السلطة والجيش وقيادات الحركة الإسلامية.

وتشير تقديرات أممية نقلتها مصادر برلمانية بريطانية إلى أن نحو 33.7 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2026، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً وخارجياً نحو 13 مليون شخص. في الجهة الأخرى، يبدو المشهد أكثر تعقيداً.
البرهان.. رئيس في الحرب وعائلة خارجها
الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يقود الجيش ومجلس السيادة، لم يعد وجوده داخل السودان يعني بالضرورة أن حياته الشخصية وحياة أسرته تقعان تحت وطأة الحرب ذاتها.
فخلال زيارة له إلى تركيا، أفادت تقارير صحفية بأن الزيارة حملت جانباً شخصياً يتعلق بالاطمئنان على أسرته المقيمة في أنقرة، إلى جانب اللقاءات الرسمية والسياسية. هذه المفارقة تستحق التوقف: رئيس يقود بلداً يعيش واحدة من أعنف أزماته، فيما توجد أسرته في بلد آمن خارج مسرح الحرب. ولا تكمن القضية في حق أي مسؤول في حماية أسرته؛ فهذا أمر إنساني مشروع. لكن السؤال السياسي والأخلاقي يبدأ عندما يصبح الفارق بين حياة أصحاب القرار وحياة المواطنين واسعاً إلى هذه الدرجة.
السوداني الذي نزح من منزله لا يملك خيار إرسال أسرته إلى أنقرة والقاهرة والدوحة.. والموظف الذي فقد راتبه لا يستطيع نقل أطفاله إلى مدرسة آمنة في الخارج. والأسرة التي فقدت منزلها لا تملك تذكرة طيران للهروب من الحرب.
هنا تتحول المسألة من شأن عائلي إلى سؤال عن المساواة في تحمّل نتائج القرارات السياسية والعسكرية.
الحركة الإسلامية «الإخوان».. من سقوط النظام إلى العودة عبر الحرب
أما قيادات الحركة الإسلامية في نظام عمر البشير البائد، فقد أثبتت تقارير وتحقيقات متعددة أن الحرب أعادتهم إلى قلب المشهد السياسي والعسكري.
كما أن وكالة رويترز نقلت في 2025 عن مصادر عسكرية أن شبكات وكتائب الحركة الإسلامية ساهمت في دعم الجيش، وقدّرت وثيقة حصلت عليها الوكالة مساهمة هذه الشبكات بما بين 2,000 و3,000 مقاتل خلال السنة الأولى من الحرب، بينما تحدثت مصادر عسكرية عن أعداد أكبر، بل آلاف من كتائب الحركة الإسلامية. وفي المقابل، ينفي الجيش وجود تحالف سياسي أو تنسيق مؤسسي مع كتائب الإسلاميين.
المفارقة أن الحركة التي أطاحت بها ثورة ديسمبر عادت، وفق هذه التقارير، لتجد في الحرب فرصة لإعادة بناء نفوذها. وبذلك لم تعد الحرب بالنسبة إلى بعض القوى مجرد معركة عسكرية، بل أصبحت أيضاً معركة على شكل الدولة التي ستولد بعد الحرب. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن يتحول دم السودانيين إلى وقود لمشروع سياسي جديد، وأن تتحول سنوات النزوح والمجاعة والدمار إلى بوابة لعودة قوى رفضها الشارع السوداني في 2019.
ياسر العطا.. صوت الإسلاميين الداعي للحسم العسكري
وفي قلب هذا المشهد يقف الفريق أول ركن ياسر العطا، الذي عيّنه البرهان رئيساً لهيئة أركان الجيش في أبريل 2026. العطا لم يخفِ تبنّيه خطاباً يقوم على الحسم العسكري. وتصف تقارير حديثة موقفه بأنه يركز على تحقيق النصر العسكري وفق توجهات الحركة الإسلامية في الاستمرار في مواجهة الدعم السريع، وليس التفاوض أو الهدنة اللذين تدعو إليهما الرباعية الدولية وواشنطن لحماية المدنيين والمساعدات الإنسانية.
كما أن وسائل إعلام دولية تناولت قربه من الحركة الإسلامية، في حين ينفي العطا وجود الحركة الإسلامية، بضباطها وكتائبها، في قيادة الجيش السوداني. إلى ذلك، قال محلل سياسي فضّل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» إن الإسلاميين، حتى لو دُعوا للمشاركة السياسية ضمن تحالفي «صمود» و«تأسيس»، فلن يقبلوا بذلك البتة. واستدرك المحلل، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان الحل العسكري هو الطريق، فمن يدفع ثمن هذا الخيار؟
وتابع المحلل السياسي في حديثه: «يظل المواطن يعيش بلا منزل، والجندي الذي يُرسل إلى الجبهة، والأم التي تبحث عن دواء، والطفل الذي توقفت مدرسته، والمزارع الذي فقد أرضه، والنازح الذي ينام في خيمة بعد أن كان يملك بيتاً».
تركيا وقطر ومصر.. جغرافيا مختلفة وحسابات متشابكة
لم تعد الحرب السودانية محصورة داخل الحدود. تركيا وقطر والسعودية أصبحت ضمن شبكة العلاقات الإقليمية المؤثرة في المشهد السوداني، بينما ترتبط مصر بعلاقات وثيقة مع قيادة الجيش السوداني. وفي يناير 2026، زار البرهان الدوحة والتقى أمير قطر، ضمن جولة شملت تركيا ومصر والسعودية، في وقت كانت فيه الحرب مستمرة على جبهات عدة.
وتشير دراسة لمعهد تشاتام هاوس إلى أن تركيا وقطر استضافتا قيادات الحركة الإسلامية السودانية، وأن بعض هذه القيادات مرتبطة بتمويل وتسليح ومساندة جهود الحرب لدى المعسكر الموالي للجيش، مع الإشارة إلى أن بعض هذه القضايا لا يمكن إثباتها بصورة قاطعة في كل حالة عبر تحقيق دولي شفاف. هنا تتكشف صورة أكثر تعقيداً: السودان يحترق في الداخل، بينما تتحرك نخبة الحركة الإسلامية السياسية والعسكرية بين عواصم إقليمية تمتلك المال والأمن والنفوذ.
من يدفع فاتورة الحرب؟
المشكلة باتت اليوم ليست في سفر مسؤول في حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، ولا في إقامة أسرة خارج السودان، ولا في علاقات الدولة الخارجية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمان امتيازاً للنخبة، بينما يتحول الخطر إلى قدر دائم للمواطنين السودانيين البسطاء والغلابة. فالسوداني الذي يعيش في معسكر نزوح لا يفهم كثيراً في خرائط التحالفات الإقليمية. ما يعرفه أنه فقد منزله.
والأم التي تبحث عن الغذاء لا يعنيها كثيراً من يملك المبادرة السياسية؛ ما يعنيها أن أطفالها لم يأكلوا. والشاب الذي ترك الجامعة لا يملك رفاهية انتظار معركة النفوذ بين الجيش والإسلاميين.
لهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: من سيحكم السودان بعد الحرب؟ بل: من سيدفع ثمن السنوات التي ضاعت من عمر السودان؟ إذا كان قادة الحرب قادرين على تأمين أسرهم، والتنقل بين العواصم، والحفاظ على قنواتهم السياسية والمالية، بينما يعيش المواطن تحت القصف والنزوح والجوع، فإن السودان لا يواجه أزمة عسكرية فقط.
إنه يواجه أزمة أخلاقية وسياسية عميقة: أزمة سلطة تستطيع أن تخوض الحرب، لكنها لا تستطيع أن تشرح للمواطن لماذا يجب عليه وحده أن يدفع ثمنها.

وفي واقع الأمر، لا يمكن أن يكون مستقبل السودان رهينة لمنطق «النصر المطلق لقائد الجيش وحلفائه الإسلاميين، كما ظل يردده في كل المنابر». فكل يوم إضافي من الحرب يعني فاتورة جديدة يدفعها المواطن، بينما تبقى النخب قادرة على التحرك خارج حدود النار.

والسؤال سيظل قائماً: هل يعيش قادة السودان الحرب كما يعيشها السودانيون، أم أن هناك سوداناً للحرب وسوداناً آخر للنخبة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.