مقدمة: أزمة البنيان لا الأعراض العارضة
لا يمكن قراءة المشهد السوداني المأزوم الراهن باعتباره مجرد تعثر سياسي عابر أو أزمة اقتصادية طارئة تعالجها الحزم التمويلية والروشتات التقليدية للمؤسسات المالية الدولية.
إن ما يمر به السودان اليوم من انهيار هيكلي شامل، وتفكك لمؤسسات السيادة، وتصدع في النسيج الاجتماعي وانزلاق نحو أتون حرب أهلية مدمرة إنما هو التجسد المادي المكتمل لمخرجات “التفكير والسلوك الكيزاني”.
فالحركة الإسلامية السودانية (بفرعها المعروف تنظيمياً وشعبياً بـ”الكيزان”) لم تكن مجرد حزب سياسي حَكَم ثم سقط، بل شكلت منظومة فكرية وسلوكية هندست وعي الدولة والمجتمع على مدار ثلاثة عقود من التمكين الممنهج.
ومن هنا تصبح المقولة التحليلية “السلوك الكيزاني هو الذي دمر السودان، فالكوز سلوك” ليست شعاراً عاطفياً، بل هي مفتاح علمي لتشخيص جذر الداء ومصدر الخراب.
أولاً: أركان التفكير الكيزاني (بنيان العقل الأدلجي)
يقوم التفكير الكيزاني على بنية معرفية مغلقة تستمد صلابتها من أدلجة الدين وتحويله من فضاء روحي وأخلاقي إلى أداة براغماتية صلبة للاستحواذ على السلطة والثروة.
وتتجلى أهم ملامح هذا التفكير في الآتي:
ثنائية “سطوة الاستعلاء والإقصاء”: يؤسس العقل الكيزاني رؤيته للآخر على قاعدة “الاصطفاف الإلهي”؛ فالمجموعة المؤمنة بالتنظيم هي وحدها المؤهلة لإدارة الشأن العام بينما يُنظر للآخرين إما كخصوم يجب تهميشهم أو أتباع يجب ترويضهم.
هذا الفصام الفكري ألغى مبدأ المواطنة المتساوية لأصحاب الانتماء التنظيمي الضيق.
البراغماتية: رغم الخطاب الشعاراتي المعبأ باليوتوبيا الدينية فإن الممارسة الفعلية للتفكير الكيزاني اتسمت ببراغماتية مطلقة تتخلى عن المبادئ متى ما تعارضت مع مصلحة البقاء في السلطة، مما أدى إلى تجريف المعايير الأخلاقية للعمل العام.
تقديس التنظيم فوق الوطن: في سلم أولويات هذا الفكر يأتي التنظيم (الجماعة) في المرتبة العليا، وتأتي الدولة بمؤسساتها وحدودها وشعبها في مراتب لاحقة.
هذا الاعتقاد جعل الحفاظ على شبكات المصالح الحزبية أولوية مقدمة على وحدة الأراضي الوطنية واستقرارها.
ثانياً: تحول الفكر إلى سلوك (هندسة التخريب المؤسسي)
لا يبقى الفكر الكيزاني حبيس الأدبيات التنظيمية، بل يتحول إلى “سلوك يومي ومؤسسة للفساد” تخللت مفاصل الدولة السودانية عبر مسارين أساسيين:
سياسة التمكين وتجريف الكفاءات
لم يقتصر “التمكين” على إزاحة الخصوم السياسيين، بل تعداه إلى عملية إحلال ممنهجة للقائمين على الخدمة المدنية والعسكرية والأمنية.
تم طرد الخبرات والكفاءات الوطنية التي لا تدين بالولاء للتنظيم، ووُضع أشخاص في مواقع حساسة استناداً إلى معيار “الولاء المطلق لا الكفاءة”.
أدى هذا السلوك إلى ترهل مؤسسي، وغياب المساءلة، وانتشار البيروقراطية الطفيلية التي تقتات على مقدرات الدولة.
اقتصاد الريع والمصالح الموازية
تحت غطاء “التمكين الاقتصادي” تفنن السلوك الكيزاني في تفكيك الاقتصاد المنتج (الزراعة والصناعة) واستبداله باقتصاد ريعي طفيلي يعتمد على المضاربات، والاحتكارات، وغسل الأموال، والسيطرة على الشركات الحكومية عبر شبكة معقدة من الواجهات الاستثمارية غير الخاضعة لولاية وزارة المالية.
هذا السلوك أفقر الشعب السوداني وأثرى طبقة ضيقة من المنتفعين الحزبيين.
ثالثاً: عسكرة السياسة وإخصاء البدائل المدنية
أدرك السلوك الكيزاني مبكراً أن البقاء في السلطة يستوجب تقويض أي بنية سياسية أو مدنية قادرة على منافسته.
ولتحقيق ذلك اتبع استراتيجيتين متكاملتين:
تفريغ السياسة من محتواها: العمل المستمر على تمزيق الأحزاب التقليدية والحديثة، وشراء الذمم السياسية، وخلق أحزاب كرتونية مسلوبة الإرادة مما أدى إلى عزوف النخبة الوطنية عن العمل العام وخلق فراغ سياسي مدمر.
تخريب المؤسسة العسكرية: عمد السلوك الكيزاني إلى اختراق القوات المسلحة السودانية عبر إنشاء أجهزة أمنية وعسكرية موازية (كالجيش العقائدي ومليشيات الدفاع الشعبي وغيرها) وتسييس ترقيات القيادات العليا بناءً على الولاء السياسي لا المهني.
هذا السلوك لم يضعف الجيش فحسب، بل أوجد مراكز قوى متصارعة داخل الدولة العميقة أسهمت بشكل مباشر في اندلاع وتأجيج الحرب الكارثية الحالية.
رابعاً: “الكوز سلوك” .. الجينات السياسية العابرة للتحولات
عندما يُقال إن “الكوز سلوك” فهذا يعنی أن الظاهرة تجاوزت حدود التنظيم التاريخي لتصبح ثقافة ممارسة متجذرة لدى كل من يتشرب هذه القيم بغض النظر عن لافتته الحزبية الراهنة.
عقيدة التخريب المسبق: يتجلى هذا السلوك بوضوح في فلسفة “إن لم نحكمكم فسندمرها عليكم”.
فالتاريخ والواقع يشهدان بأن العقلية الكيزانية ترفض فكرة الهزيمة السياسية الديمقراطية وتلجأ دائماً عند فقدان السلطة إلى تفجير الأزمات، وتأجيج النعرات القبلية، وإشعال الحروب لقطع الطريق أمام أي مشروع وطني ديمقراطي ناجح.
ثقافة الغنيمة: التعامل مع مقدرات الدولة ومؤسساتها وسيادتها باعتبارها “غنيمة” تخص الفئة المنتصرة، وغياب أي إحساس بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المواطن العادي ومعاناته اليومية.
مفترق الطرق واستعادة الدولة:
إن تفكيك الأزمة السودانية وإيقاف نزيف الدم الدائر لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن تفكيك البنية الفكرية والسلوكية التي أنتجتها.
إن محاربة السلوك الكيزاني تتطلب:
بناء مشروع وطني جامع يقوم على أسس المواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون، وفصل المؤسسات عن الأدلجة الحزبية.
تطهير الخدمة المدنية والعسكرية والأمنية من شبكات التمكين والولاءات الضيقة وإعادة هيكلتها على أسس مهنية بحتة.
تفكيك البنى الاقتصادية الطفيلية واستعادة أموال الشعب المنهوبة لتمويل عملية البناء وإعمار ما دمرته الحرب.
ما لم يدرك السودانيون وقوى التغيير خطورة هذا “السلوك” ويعملوا على استئصاله من ممارسات الإدارة والحكم، فإن أي تسوية سياسية قادمة لن تكون سوى هدنة مؤقتة تفضي حتماً إلى جولة جديدة من الخراب الممنهج؛ فالسودان لا يمكن أن يتعافى وجسمه السياسي والعضوي مثقل بجرثومة الفكر والسلوك الكيزاني.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.