لم تعد مجرد مؤشرات أو تحليلات سياسية يُختلف عليها، بل أصبحت حقيقة يكتوي بنارها كل مواطن سوداني ساقته الظروف للعيش في “بورتسودان” أو اللجوء إليها. لقد أثبتت التجربة اليومية بما لا يدع مجالاً للشك أن منظومة الحكم الجاثمة على صدر هذه المدينة لم تفشل فقط في إدارة الدولة، بل تحولت هي نفسها إلى العبء الأكبر والأخطر على حياة الناس وأمنهم.
إن الحديث عن بورتسودان كـ “عاصمة إدارية مؤقتة” بات يدعو للتحسر؛ فالمدينة التي أريد لها أن تكون ملاذاً آمناً ومركزاً لإدارة ما تبقى من مؤسسات الدولة، أضحت نموذجاً صارخاً للانهيار الشامل، وشهادة إدانة يومية لسلطة فاقدة للرؤية والشرعية والأهلية الأخلاقية.
الأمن المفقود.. غابة الحركات والتفلتات.. كيف لسلطة تدعي الشرعية والقدرة على حماية شعب كامل أن تعجز عن تأمين المدينة التي تجلس فيها قيادتها؟
انفلات أمني غير مسبوق: أصبحت بورتسودان ساحة مفتوحة للتفلتات، والسرقات، والاعتداءات جهاراً نهاراً.
فوضى السلاح: انتشار السلاح وتعدد الجيوش والحركات المسلحة داخل الأحياء السكنية والأسواق صبغا المدينة بطابع العسكرة العشوائية، وجعلا المواطن الخائف يفر من جحيم الحرب في الولايات الأخرى ليموت بالرصاص الحي أو السلاح الأبيض في شوارع الثغر.
غياب سيادة القانون: أصبحت الأجهزة الأمنية في حالة شلل تام عن ضبط العصابات، وتفرغت فقط لمطاردة الناشطين وضبط الخطاب الإيجابي، بينما يترك المواطن الأعزل لمصيره.
انعدام الخدمات.. الموت البطئ تحت وطأة العطش والظلام
إذا كان العجز الأمني خطيئة، فإن الفشل في توفير أدنى مقومات الحياة الإنسانية هو جريمة كاملة الأركان:
أزمة المياه: تعيش أحياء بورتسودان عطشاً يذكر بأقسى العصور الحجرية، حيث أصبحت قطرة الماء أمنية يستجدى الحصول عليها بأسعار خيالية لا تطاق.
انهيار التيار الكهربائي: انقطاع مستمر ومتواصل للكهرباء لشلل الحياة الاقتصادية والخدمية، وتحويل المستشفيات إلى مشافٍ بدائية تعجز عن إنقاذ المرضى والمصابين.
تدهور البيئة والصحة: تتراكم النفايات وتتنامى البرك الركود لتتحول المدينة إلى بيئة صالحة لانتشار الأوبئة والأمراض وسط غياب تام لوزارة الصحة وأجهزة الولاية.
“إن سلطة تعجز عن توفير قطرة ماء لمواطنيها وتجلس في الظلام، هي سلطة قد أعلنت استقالتها عملياً من واجباتها، ولا يحق لها الاستمرار يوماً واحداً.”
لا بديل عن اقتلاع المنظومة.. الثورة مستمرة
إن ما نراه اليوم في بورتسودان ليس مجرد سوء إدارة عابر، بل هو العرض الطبيعي لمنظومة حكم متهالكة، قامت على المحاصصات والعجز والفساد، وأثبتت أنها غير قادرة على حماية المواطن أو حفظ كرامته.
لقد أصبح واضحاً أن الرهان على إصلاح هذه السلطة أو انتماء أحزابها لضمير هذا الوطن هو رهان على سراب. إن الطريق الوحيد لاستعادة الدولة، وبناء مستقبل يستحق هذا الشعب الصابر، يمر عبر طريق واحد لا لبس فيه:
استعادة روح ديسمبر: مواصلة الفعل الثوري وتصعيده بوجه هذه المنظومة العاجزة.
تنظيم الصفوف: توحيد القوى الحية من لجان مقاومة، وقوى مدنية، وأجسام مطلبية لاقتلاع هذا الفشل من جذوره.
تأسيس سلطة مدنية حقيقية: سلطة تضع كرامة الإنسان السوداني، وأمنه، وخدماته في قمة أولوياتها، وتنهي عهد الفوضى والعسكرة والارتهان.
إن بورتسودان، والسودان بأكمله، يستحقان أفضل من هذا العبث. ولن تتوقف عجلة النضال حتى نقتلع كل جذور الانهيار ونعيد بناء وطن يسع الجميع بالعدل والسلام والكرامة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.