اعتصام مفتوح بمنطقة المقرن.. الثورة مستمرة

نورا عثمان

كلما ظنّ البعض أن صوت الشارع السوداني قد خفت تحت هدير البنادق، عاد الناس ليؤكدوا أن الأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، وأن الشعوب لا تتخلى بسهولة عن أحلامها في الحرية والعدالة والسلام.

الاعتصام المفتوح الذي تشهده منطقة المقرن ليس مجرد تجمع احتجاجي عابر، بل رسالة سياسية واجتماعية تقول إن الحرب، مهما طالت، لم تستطع إطفاء جذوة المطالبة بالدولة المدنية. فالذين خرجوا إلى الشوارع لا يحملون البنادق، بل يحملون مطلباً ظل يتردد منذ ديسمبر 2018: وطن يحكمه القانون، لا فوهة البندقية.

لقد حاولت الحرب أن تفرض واقعاً جديداً، عنوانه أن الأولوية للسلاح وأن السياسة يجب أن تنتظر حتى تتوقف المعارك. لكن ما يحدث اليوم يبعث برسالة مختلفة؛ فهناك من يرى أن استمرار الحرب هو في حد ذاته السبب الأكبر لتعطيل السياسة، وأن إنهاء الصراع يبدأ بإعادة صوت المدنيين إلى واجهة المشهد.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو أن الاعتصام يأتي في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أعقد مراحله، حيث تتقاطع المأساة الإنسانية مع الانهيار الاقتصادي، ويتحول الحصول على الماء والكهرباء والدواء والتعليم إلى معركة يومية يخوضها المواطن. في مثل هذا الواقع، يصبح الاحتجاج السلمي، بالنسبة إلى كثيرين، وسيلة للتعبير عن رفض استمرار الأزمات، وليس مجرد نشاط سياسي.

لقد أثبتت ثورة ديسمبر أن الشعوب قد تُهزم مؤقتاً، لكنها لا تستسلم بسهولة. صحيح أن الطريق الذي سلكه السودان منذ سقوط النظام السابق كان مليئاً بالانتكاسات والانقسامات والانقلابات، ثم جاءت الحرب لتضاعف حجم المأساة، إلا أن الفكرة التي صنعت الثورة ما زالت حاضرة: لا شرعية دائمة لأي سلطة لا تستمد قوتها من إرادة المواطنين.

اليوم، يعود السؤال القديم في ثوب جديد: هل تستطيع القوى المدنية استعادة زمام المبادرة؟ أم أن الحرب ستواصل ابتلاع كل محاولة لإعادة السياسة إلى مسارها الطبيعي؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن أي اعتصام سلمي يعيد التذكير بأن السودان ليس مجرد ساحة صراع بين الجيوش، وإنما وطن يعيش فيه ملايين المدنيين الذين يبحثون عن حياة طبيعية، وعن مدارس مفتوحة، ومستشفيات تعمل، وحقول تنتج، وأسواق تنبض بالحياة.

لقد علمتنا ديسمبر أن التغيير لا يبدأ دائماً من قصور الحكم، بل قد يبدأ من خيمة اعتصام، أو من هتاف في شارع، أو من موقف جماعي يرفض الاستسلام لليأس. وما دام هناك من يؤمن بأن الوطن أكبر من الحرب، فإن فكرة الثورة ستظل حاضرة، حتى وإن تغيرت أشكال التعبير عنها.

إن الاعتصام المفتوح في المقرن، بصرف النظر عن حجمه أو مدته، يعكس حقيقة يصعب تجاهلها: أن قطاعاً من السودانيين ما زال يرى أن الحل لا يكمن في مزيد من البنادق، بل في استعادة السياسة، وإحياء الحوار، وبناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

قد تتغير الوجوه، وتتبدل التحالفات، وتتعدد جبهات القتال، لكن ما لم يتغير هو حلم السودانيين بوطن يتسع للجميع. ولذلك، فإن الثورة، بالنسبة إلى كثيرين، ليست حدثاً انتهى، بل فكرة ما زالت تبحث عن فرصة جديدة لتولد من بين ركام الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.