حين يسأل المواطن السوداني اليوم: “متى تنتهي هذه الحرب؟”، فإنه لا يبحث عن إجابة تقليدية أو تحليل دبلوماسي بارد، بل يسأل عن موعد لعودته إلى بيته، وعن نهاية لرحلة الشتات والنزوح التي سرقت منه الأمان، وأفقدت الملايين طعم الاستقرار. إن هذا السؤال هو مرآة لواقع معيشي وإنساني فاق كل تصور، ولكنه في الوقت ذاته صرخة تمرد على واقع العبث والدمار.
من منظور استراتيجي، إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في تحديد تاريخ بعينه، بل في فهم طبيعة الديناميكيات التي تحرك هذا الصراع الممتد. لقد تحولت الحرب في السودان تدريجياً إلى ما يشبه “حرب الاستنزاف المتبادل”. فالطرفان المتقاتلان وصلا، عسكرياً وميدانياً، إلى نقطة توازن سلبي؛ عجز كل منهما عن حسم المعركة لصالحه بشكل قاطع، ولكنه في الوقت نفسه يمتلك الحد الأدنى من المقومات للاستمرار في إطالة أمد القتال. هذا الانسداد الميداني هو الذي يطيل عمر الأزمة، ويجعل ليل الحرب يبدو طويلاً وثقيلاً.
ولكن التاريخ يعلمنا أن الحروب الداخلية لا تنتهي غالباً بانتصار ساحق، بل تنتهي حين يدرك الجميع أن تكلفة الاستمرار في الحرب باتت أعلى بكثير من تكلفة السلام والتسوية. وما نراه اليوم من تآكل متسارع في بنية الدولة، وانهيار كامل للاقتصاد، وتفاقم غير مسبوق للأزمة الإنسانية، هو الضغط الحقيقي الذي سيدفع في نهاية المطاف نحو طاولة المفاوضات. المجتمع الدولي والإقليمي، رغم بطء تحركاته واختلاف أجنداته، سيجد نفسه عاجزاً عن تجاهل كارثة بهذا الحجم، مما سيخلق قريباً نافذة إجبارية للحل السياسي القائم على صيغة “لا غالب ولا مغلوب”.
إن نهاية الحرب قادمة لا محالة، لأن منطق البقاء للشعوب يقاوم منطق الفناء والخراب. غير أن التحدي الأكبر لن يكون فقط في إسقاط البنادق ووقف إطلاق النار، بل في كيفية ردم الهوة المجتمعية العميقة، وإعادة بناء دولة ما بعد الحرب على أسس وطنية جديدة وعادلة تمنع تكرار هذه المأساة إلى الأبد.
السودان اليوم يمر بمخاض عسير، والمخاض بطبيعته مؤلم وقاسٍ، لكنه المخاض الذي يسبق ولادة جديدة لدولة ديمقراطية وعادلة، تستحق كل هذا الصبر الجبار الذي يسطره الشعب السوداني كل يوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.