تبدو العلاقة بين السلطة في بورتسودان والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب التحالفات، بينما يلوح في الأفق حديث متزايد عن تعديل وزاري قد يطال ممثلي تلك الحركات تحت لافتة “إعادة تشكيل الحكومة”.
قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، إجراءً إدارياً طبيعياً، لكن القراءة السياسية تطرح أسئلة أكبر من مجرد تغيير أسماء الوزراء. هل نحن أمام إعادة هيكلة لمؤسسات الدولة؟ أم أمام بداية لإعادة رسم موازين القوة داخل معسكر الحلفاء؟ وهل تصبح الحركات المسلحة، التي دخلت السلطة عبر اتفاق جوبا، أول ضحايا المرحلة الجديدة؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، بل من واقع سياسي تشكل خلال سنوات الحرب، حيث تبدلت التحالفات أكثر من مرة، وتغيرت الأولويات، وأصبح النفوذ داخل مؤسسات الدولة محل تنافس بين قوى متعددة، لكل منها حساباتها الخاصة بشأن مستقبل السلطة.
إذا مضت الحكومة في إبعاد وزراء الحركات المسلحة، فإن ذلك سيترك أثراً يتجاوز المناصب التنفيذية. فالحركات لا تنظر إلى مشاركتها في السلطة باعتبارها مكافأة سياسية، وإنما باعتبارها جزءاً من استحقاقات اتفاق جوبا الذي وُقع لإنهاء النزاعات وفتح الباب أمام انتقال سياسي أكثر شمولاً.
والسؤال الأكثر حساسية هو: ماذا بعد؟
هناك من يرى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تقليص نفوذ الحركات المسلحة داخل مؤسسات الحكم، مقابل صعود قوى أخرى إلى الواجهة. ومن بين الآراء المتداولة في الساحة السياسية، تبرز مخاوف لدى بعض القوى المدنية من أن يؤدي هذا التحول إلى تعزيز حضور شخصيات أو شبكات محسوبة على الحركة الإسلامية أو النظام السابق، وهي قراءة سياسية تختلف حولها المواقف، لكنها أصبحت جزءاً من النقاش العام بشأن مستقبل السلطة.
فإذا كانت الحركات المسلحة قد قدمت نفسها شريكاً في مشروع السلام، فإن كثيرين يتساءلون اليوم: هل كانت شريكاً حقيقياً في صناعة القرار، أم مجرد حليف مرحلي فرضته ظروف الحرب؟
وهل استُخدمت تلك الحركات لتثبيت توازنات عسكرية وسياسية مؤقتة، قبل أن تبدأ مرحلة إعادة توزيع النفوذ؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لن تحددها التصريحات، وإنما القرارات التي ستصدر خلال الأسابيع المقبلة. فإذا جاءت إعادة تشكيل الحكومة على حساب شركاء اتفاق جوبا، فمن الطبيعي أن تتصاعد الشكوك حول مستقبل الاتفاق نفسه، وحول مصير الوعود التي قُدمت عند توقيعه.
إن المشكلة لا تكمن في تغيير وزير أو مسؤول، فكل الحكومات تعيد تشكيل نفسها. المشكلة تبدأ عندما تصبح التعديلات وسيلة لإعادة صياغة المشهد السياسي بطريقة تُفقد الاتفاقات قيمتها، وتبعث برسالة إلى الشركاء مفادها أن موازين القوة أهم من الالتزامات السياسية.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن التحالفات التي تُبنى على الضرورة العسكرية لا تدوم إذا لم تسندها شراكة سياسية حقيقية. كما أثبتت أن إقصاء أي طرف من دون معالجة أسباب الخلاف لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يفتح الباب أمام أزمات جديدة.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى إعادة إنتاج صراعات النفوذ داخل السلطة، بقدر حاجته إلى بناء مؤسسات تحترم الاتفاقات، وتلتزم بسيادة القانون، وتمنح الأولوية لإنهاء الحرب، لا لإعادة ترتيب المقاعد.
وإذا كانت الحركات المسلحة تشعر اليوم بأنها تقف في مهب الريح، فإن المسؤولية لا تقع عليها وحدها، بل على كل القوى السياسية التي سمحت بأن تتحول اتفاقات السلام إلى أوراق تفاوض تخضع لتقلبات التحالفات.
ويبقى السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة: هل تمضي البلاد نحو إعادة تشكيل حكومة تعزز الشراكة الوطنية، أم نحو إعادة توزيع السلطة بطريقة تعمق الانقسام وتثير شكوكاً جديدة حول مستقبل السلام؟
الإجابة لن تكتبها البيانات السياسية، بل ستكتبها القرارات التي ستتخذ على الأرض، ومدى احترامها للاتفاقات، وقدرتها على بناء الثقة بين شركاء يفترض أنهم اجتمعوا لإنهاء الحرب، لا لبدء صراع جديد داخل معسكر واحد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.