قراءة في رؤية تطوير مشروع السوكي الزراعي (2)

بقلم: طارق محمد أحمد الفكي

المسار البستاني… الاستثمار الأخضر الذي يعيد التوازن للمشروع

جاء في رؤية السيد المدير العام لهيئة السوكي الزراعية، الدكتور صلاح الدين شريف طمبل، أن المسار البستاني يمثل أحد المحاور الرئيسة لإعادة بناء المشروع. وهو مسار لا يقتصر على زراعة الأشجار والفاكهة، وإنما يرتبط بتحقيق التوازن البيئي، وتنويع مصادر الدخل، وخلق فرص عمل مستدامة للشباب والمرأة.
ولسنوات طويلة انحصر النشاط داخل مشروع السوكي في المحاصيل الحقلية، بينما ظل القطاع البستاني بعيداً عن الاهتمام، رغم أن البساتين من أكثر الأنشطة الزراعية قدرة على تحقيق قيمة اقتصادية عالية للفدان، وفتح مصادر جديدة للدخل.
لكن قبل أن نتحدث عن إعادة زراعة البساتين، علينا أن نعترف بحقيقة مؤلمة؛ فقد تعرضت الغابات داخل المشروع للتراجع والقطع الجائر، وتحولت مساحات من البساتين إلى حواشات، بينما تقلصت مساحات أخرى إلى أمتار محدودة، وفقدت أشجار كثيرة كانت جزءاً من المشهد الزراعي والبيئي للمشروع.
وهذا التدمير لم يكن في موقع واحد، وإنما طال الأقسام الأربعة للمشروع، الأمر الذي يجعل إعادة المسار البستاني بحاجة إلى معالجة تبدأ من الأساس.
فالخطوة الأولى يجب أن تكون حصر ما تبقى من الغابات والبساتين وتحديد مساحاتها وحدودها بصورة واضحة، ثم تثبيتها قانونياً وتسويرها وحمايتها، وتوفير خفراء لمنع أي تعديات جديدة. وبعد ذلك تأتي قضية المياه، بحيث تصل إليها مياه الري الانسيابي، مع توفير مصدر ثانٍ للمياه الجوفية،وفي مواقع موجود يحتاج الصيانة وشبكه التوصيل.
كما أن هذه المساحات تحتاج إلى قانون أو لائحة واضحة تنظم حمايتها وإدارتها واستغلالها، حتى لا تعود المشكلة مرة أخرى بعد إعادة التأهيل. وبعد اكتمال هذه الإجراءات يمكن الانتقال إلى إعادة تأهيل البساتين وزراعة الأشجار الاقتصادية وأشجار الظل، وإعادة الغطاء الشجري في الأقسام الأربعة.
وهنا تبرز أهمية إنشاء مشتل مركزي في رئاسة المشروع بود تكتوك، إلى جانب مشاتل فرعية في الأقسام، لإنتاج شتول محسنة ومعتمدة محلياً، مع تدريب الكوادر على أساليب الإكثار البستاني، بما يوفر الشتول ويخفض تكاليفها ويضمن جودتها.

ولا ينبغي أن يتوقف الأمر عند زراعة الأشجار وإنتاج الفاكهة والخضر؛ فالجزء الأهم اقتصادياً هو ما يأتي بعد الإنتاج. فالمشروع يحتاج إلى مراكز لتجميع وفرز المنتجات، ووحدات للتعبئة والتغليف، وتشجيع قيام مصانع للعصائر وتجفيف الفاكهة والخضر، وفتح أسواق داخلية وخارجية أمام منتجات المشروع.

بهذه الطريقة يتحول الإنتاج البستاني من محصول يباع خاماً إلى منتج يحمل قيمة مضافة، ويقل الفاقد بعد الحصاد، ويرتفع دخل المنتجين، وتظهر فرص جديدة للاستثمار والعمل.

إن المسار البستاني ليس نشاطاً ثانوياً يمكن تأجيله، وإنما هو استثمار طويل الأجل في الأرض والبيئة والإنسان والاقتصاد. وإعادة البساتين لا تبدأ بمجرد غرس الأشجار، بل تبدأ بحماية الأرض، وتثبيت المساحات، وتوفير المياه، ووضع الإدارة والقانون، ثم يأتي التأهيل والإنتاج.

وإذا نُفذت هذه الرؤية بصورة علمية، وبشراكة حقيقية بين هيئة السوكي والجهات الزراعية والبحثية والاستثمارية والقطاع الخاص، فإن المسار البستاني يمكن أن يصبح أحد أهم روافد التنمية المستدامة، وأن يضيف للمشروع مصدراً جديداً للدخل والإنتاج وفرص العمل.

فالسوكي لا يحتاج إلى أن يزرع أكثر فقط، بل يحتاج أيضاً إلى أن يحافظ على ما لديه، ويعيد ما فقده، ويحوّل أرضه إلى إنتاج مستدام وقيمة اقتصادية حقيقية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.