صفقة التسليح الكبيرة بين الجيش السوداني وباكستان، التي تُقدَّر قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لا يزال متمسكًا بخيار «الحسم العسكري». فسياساته ومواقفه تتناسب تناسبًا عكسيًا مع رغبة السودانيين في السلام، ومواقفه تجاه المساعي الدولية لوقف الحرب تبدو مبرأة من الجدية والإرادة الحقيقية لإنهائها، وبالرغم من أن كارثة الحرب التي أشعلتها الحركة الإسلامية حصدت أكثر من 65 ألف روح، وأدت إلى نزوح ولجوء أكثر من 10 ملايين سوداني، يتقاسمون المعاناة في مراكز النزوح ومخيمات اللجوء، يصر البرهان على صب وقود الحرب على نارها، لتزداد ألسنة الحريق اشتعالًا. ومنذ اندلاع الحرب، لم يغادر قائد الجيش محطة توسيع دائرة تحالفاته للحصول على السلاح، لإعادة إنتاج نموذج الإبادة الجماعية الذي شهدته دارفور عام 2003 في إقليمي كردفان ودارفور. فمعركة التسليح تعني أن حكومة بورتسودان تتحدى الإرادة الدولية الرامية إلى تحقيق السلام في السودان وإنهاء هذه الكارثة.
لا ريب في أن صفقة السلاح بين الجيش وباكستان تعكس تناقضًا أخلاقيًا للحكومة الباكستانية؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه إسلام آباد، بحسب مواقفها المعلنة، إلى الوساطة مع الأطراف الدولية لوقف الحرب الأمريكية الإيرانية، ترسل السلاح إلى السودان، بما قد يؤدي إلى استمرار قتل السودانيين وإطالة أمد الحرب، وتفرض صفقات السلاح تساؤلات عديدة بشأن استمرار الحرب، في مقدمتها: هل أصبحت حرب السودان ساحة لتجربة الأسلحة الباكستانية، كما ذكر بعض المراقبين للشأن السياسي السوداني؟ وهل أرواح الإيرانيين والأمريكيين أغلى من أرواح السودانيين؟
وكلمات الشاعر الراحل محمد الحسن سالم حميد تجيب على السؤال مستنكرة التمييز: «مش كلنا جينا من آدم، مش آدم أبو البشرية». له الرحمة والمغفرة. هل السودانيون لا يستحقون السلام في نظر الدول الممولة للحرب؟ فاستراتيجية المزيد من التسليح الجيش من أجل استمرار الحرب تعطي حكومة السلام «تأسيس»، أو قيادات قوات «تأسيس»، مبررًا لرفع درجة حرارة التسليح، وهو ما يترك بوابات التصعيد العسكري مشرعة، ويفجّر كل القنابل الموقوتة، ويجعل إصلاح ما أفسده دهر الإسلاميين أكثر صعوبة؛ لأن التكلفة تتضاعف كلما استمر إطلاق المسيّرات، ودوي المدافع، وأزيز الطائرات الحربية.نعم، إن نتيجة التنافس في التسليح هي حصاد أرواح الشباب الذين انقسمت ولاءاتهم بين أطراف الحرب، ويدفعون ثمن المعارك الطاحنة التي يستعد لها الطرفان الفاعلان في الحرب.
المؤسف أن عناد البرهان وضع الشعب بين سندان الحرب ومطرقة الأزمة الإنسانية. فالرجل يعيش في وهم رغائبي، ويدعي أنه يخوض «حرب الكرامة»، والحقيقة أنه سلب الشعب حقه في الحياة. وأرقام الموتى صارت عنوانًا لمأساة الإنسان السوداني، وبيّنت حجم الكارثة، وفسّرت كيف أصبح الشباب وقودًا للحرب، بدلًا من أن يكونوا أيقونة لبناء الوطن الذي يحلم إنسانه بالسلام والحرية والعدالة.
ما لم يُواجَه البرهان وحلفاؤه الإسلاميون بضغوط عاجلة من الأسرة الدولية من أجل وقف إطلاق النار، فإن المعارك القادمة قد تكون أكثر شراسة، خاصة أن قوات الدعم السريع أو قوات «تأسيس» لن تقف مكتوفة الأيدي، حسب توجيهات قيادتها، إذا ما حمي الوطيس.و عبارة قالها الفريق محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام، مخاطبًا قواته: «الرسن في يدكم»، أو «فك الرسن»، بعد معارك كردفان الشرسة وهي عبارة تحمل الكثير، وحقنًا لدماء السودانيين، فالسلام هو الحل وليس التسليح، حتى لا تتضاعف خسارة الوطن وشعبه، والحقيقة التي يراها الجميع، إلا من أبى، هي أن معادلة توازن القوة أو الضعف تكذّب فرضية الحل العسكري القائم على القضاء على قوات الدعم السريع، وفقًا لتصريحات قيادات الجيش منذ بداية الحرب، وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق ياسر العطا.وحين واجهت هذه القيادة ضغوطًا دولية من أجل وقف الحرب، وضعت العقبة الكؤود في طريق السلام، ورفعت راية الشرط التعجيزي في إعلان الهدنة، وطالبت قيادة قوات الدعم السريع بتجميع قواتها في معسكرات تمهيدًا لوقف إطلاق النار، من دون تقديم ضمانات لحماية هذه القوات من القصف بالطيران الذي يتقنه الجيش السوداني ومارسه حتى ضد المدنيين، فكيف يكون الحال مع العسكريين؟. هذا الشرط التعجيزي كأنما يقدم فيه البرهان وصفة انتحارية لإنسان طلب منه وسيلة للانتحار. أو كأنه لا يتحدث عن قوات ساهم الجيش نفسه في نشأتها، ويدرك قوتها العسكرية، إلى درجة أنه أرسلها للقتال خارج الحدود، في اليمن، وفي قضايا لا ناقة له فيها ولا جمل. هل قيادة الجيش لا تنظر إلى المنسوبين إلى الدعم السريع، أو قوات «تأسيس»، باعتبارهم بشرًا يعرفون قيمة حياتهم؟ أم تراهم أغبياء؟ أم أن البرهان «غشيم» أو يدّعي الغشامة؟. فطرة الإنسان هي التمسك بالحياة، وإن لم يكن من أجل نفسه، فمن أجل أمه وأبيه وأبنائه. فهؤلاء الشباب المقاتلون الذين استغلتهم الأنظمة السودانية ليكونوا حضورًا دائمًا في ساحات القتال، لا جالسين في فصول المدارس وقاعات الجامعات، لهم أسر وأهل يعرفون معزتهم ويحزنون على فقدهم. وكما حزنت أنت يا برهان على ابنك الذي مات في حادث حركة، وليس في «حرب الكرامة»، وكان مستمتعًا بحياته في شوارع تركيا حتى أدركته المنية، له الرحمة؛ أرحم أبناء السودانيين من هذه الحرب اللعينة. ما الذي يمنعك من الموافقة على وقف إطلاق النار، ومن ثم تُحل مشكلة تعدد الجيوش والمليشيات على طاولة التفاوض، أم سيف المؤتمر الوطني مسلط على عنقك؟!. يبدو واضحاً أن هذا الشرط التعجيزي استراتيجية لإطالة أمد الحرب، وضمان البقاء في كرسي السلطة، وحماية الإسلاميين وتمكينهم مرة أخرى من إعادة إنتاج دكتاتورية ذات أيديولوجية إسلامية متطرفة؟.
تجارب الحروب لسان حالها يقول: شاء البرهان والإسلاميون أم أبوا، فالسلام هو الحل.
لا للحرب، نعم للسلام
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.