لم تكن دارفور يوماً طارئاً على السودان حتى يجري التعامل معها وكأنها مشكلة ظهرت فجأة ثم يصبح التخلص منها حلاً لأزمة البلاد.
فدارفور جزء أصيل من تاريخ السودان وواحدة من الحضارات التي تركت بصمتها في أفريقيا والعالم العربي والإسلامي.
وكانت سلطنة قائمة بذاتها بمؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية قبل أن تتشكل الدولة السودانية الحديثة بحدودها ونظمها المعاصرة.
ومن هذه الزاوية فإن اختزال دارفور في الحرب أو النزوح أو الصراع القبلي يقدم صورة مبتورة عن الإقليم وتاريخه.
فدارفور ليست مجرد جغرافيا شهدت نزاعاً مسلحاً وإنما مكوّن أصيل من مكونات الشخصية السودانية وتاريخها السياسي والاجتماعي.
أما إنسان دارفور فقد ارتبط في الذاكرة السودانية بصفات النبل والكرم والشهامة.
وعن الكرم تكفي الإشارة إلى الصلات التاريخية التي ربطت أبناء دارفور ببلاد الحرمين وبلاد النيلين.
وعن الشهامة فإن صفحات التاريخ السوداني وما شهدته البلاد من مواجهات ضد الغزاة تحمل شواهد متعددة على حضور أبناء دارفور ومشاركتهم في الدفاع عن الوطن.
لكن الأهم من ذلك كله هو طبيعة النظرة التي ظل يحملها إنسان دارفور إلى السودان.
فلم يكن الدارفوري ينظر إلى السودان باعتباره مجموعة كيانات متجاورة ومتخاصمة وإنما باعتباره وطناً واحداً تشكلت مكوناته عبر تاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والمصاهرة والهجرة والتجارة والتجاور.
ولذلك لم يكن اختلاف اللون أو القبيلة أو الجهة سبباً لنزع صفة المواطنة عن الآخر.
فالدارفوري لم يرَ في الشمالي أو الشرقي أو الأوسط أو الكردفاني غريباً عنه وإنما رأى فيه امتداداً لمجتمع سوداني واحد صنعه التاريخ المشترك.
ولهذا فإن الانتماء إلى دارفور لم يكن في الوجدان الدارفوري نقيضاً للانتماء إلى السودان بل كان جزءاً أصيلاً منه.
ومن هنا يمكن فهم المطالبة بالعدالة والمشاركة في السلطة والثروة باعتبارها مطالبة بحقوق داخل الدولة السودانية لا بحثاً عن وطن بديل.
فالدارفوري حين يطالب بالمشاركة لا يطالب بسودان أقل وحدة وإنما بسودان أكثر عدلاً واتساعاً لجميع أبنائه.
ولعل ثورة ديسمبر المجيدة قدمت تعبيراً بالغ الدلالة عن هذه الروح القومية حين صدح السودانيون في الشوارع:
«يا عنصري يا مغرور… كل البلد دارفور»
لم يكن الهتاف مجرد تضامن مع إقليم بعينه وإنما كان تعبيراً عن وعي قومي يقول إن دارفور ليست جسماً غريباً عن السودان وإن السودانيين جميعاً، على اختلاف ألوانهم وأصولهم وجهاتهم، يشكلون وطناً واحداً.
ثم جاءت اتفاقية سلام جوبا.
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق التوقف عندها.
فالاتفاقية لم تكن مجرد اتفاق لإسكات البندقية وإنهاء الحرب وإنما حملت معها قضية ظلت مؤجلة في الدولة السودانية منذ الاستقلال: قضية المشاركة في السلطة والثروة.
وأصبح السؤال أكثر وضوحاً حول كيفية انتقال الأقاليم التي عانت من التهميش من موقع المتلقي لقرارات المركز إلى موقع الشريك في صناعة القرار الوطني.
وكانت دارفور في قلب هذه المعادلة.
فالاتفاقية فتحت الباب أمام مشاركة أكبر لأبناء دارفور وحركاتها في مؤسسات الدولة كما تضمنت ترتيبات تتعلق بإعادة إعمار الإقليم ومعالجة آثار الحرب وتحقيق قدر من التوازن في توزيع السلطة والثروة.
وهنا تظهر نقطة تستحق التأمل السياسي:
لماذا بدأ خطاب التخويف من دارفور والتصعيد العنصري ضد أهلها يزداد بصورة ملحوظة بعد اتفاقية سلام جوبا؟
ولماذا في هذا التوقيت تحديداً؟
لا يمكن لمجرد التزامن الزمني أن يكون دليلاً قاطعاً على وجود علاقة سببية بين الاتفاقية وتصاعد خطاب الكراهية.
لكن قراءة السياق السياسي تجعل السؤال مشروعاً.
فقد جاءت الاتفاقية في لحظة أصبح فيها موضوع مشاركة الهامش في السلطة واتخاذ القرار وتقاسم الموارد أكثر حضوراً في المشهد السياسي السوداني.
وهنا يصبح من الطبيعي أن نسأل:
هل كان بعض الخطاب المعادي لدارفور تعبيراً عن رفض سياسي للاتفاقية وترتيباتها أم أن وراءه هواجس أعمق تتعلق بإعادة توزيع النفوذ والامتيازات التاريخية؟
فالمشاركة في السلطة تعني بالضرورة توسيع دائرة صناعة القرار.
وتقاسم الثروة يعني مراجعة بعض أنماط توزيع الموارد.
وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم تعني أن الدولة مطالبة بإعادة النظر في معادلة ظلت قائمة لعقود.
ومن هنا يمكن أن نفهم كيف يمكن للعنصرية أن تتحول من مجرد موقف اجتماعي إلى أداة في الصراع السياسي.
فالعنصرية ليست دائماً كراهية صريحة للآخر بسبب لونه أو أصله أو جهته.
أحياناً تتخذ صورة صناعة الخوف منه.
وحين يصبح الآخر مصدراً للخوف يمكن تصوير مشاركته في الدولة باعتبارها تهديداً بدلاً من النظر إليها باعتبارها حقاً من حقوق المواطنة.
وهكذا يبدأ الخطاب في تحويل الدارفوري من مواطن يطالب بحقه إلى «خطر على الدولة».
وتتحول المطالبة بالمشاركة إلى «استيلاء».
وتتحول معالجة التهميش إلى «محاباة».
وتتحول إعادة الإعمار إلى «ابتلاع للثروة».
ثم يظهر الانفصال في بعض الخطابات وكأنه الحل.
وهنا تبدأ دارفورفوبيا في تجاوز كونها مجرد موقف فردي من دارفور لتصبح خطاباً سياسياً واجتماعياً يحاول إعادة تعريف علاقة الإقليم بالسودان.
لكن التحليل القومي للأزمة يقودنا إلى سؤال مختلف:
لماذا تصبح مشاركة دارفور في السودان مشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من حل مشكلاته؟
فإذا كانت دارفور جزءاً أصيلاً من السودان فلماذا تصبح مشاركتها خطراً؟
وإذا كان السودانيون متساوين في المواطنة فلماذا تتحول مشاركة إقليم مهم في السلطة والثروة إلى تهديد لوحدة البلاد؟
وإذا كانت الدولة السودانية تعاني اختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة فلماذا تكون المطالبة بإصلاح هذه الاختلالات سبباً للكراهية؟
ربما هنا تكمن إحدى أهم جذور «دارفورفوبيا».
إنها خوف من دارفور حين تنتقل من موقع الهامش إلى موقع الشريك.
فدارفور التي تُهمش يمكن تأجيل مطالبها.
ودارفور التي تُستنزف في الحرب يمكن تقديمها باعتبارها مشكلة أمنية.
أما دارفور التي تطالب بدورها في صناعة القرار الوطني وبنصيب عادل من موارد الدولة فإنها تضع المعادلة القديمة أمام اختبار حقيقي.
لكن من منظور قومي لا يمكن أن يكون الحل في إبعاد دارفور عن السودان.
لأن القضية في جوهرها ليست قضية دارفور وحدها وإنما قضية شكل الدولة السودانية نفسها.
السؤال ليس كيف نتخلص من دارفور وإنما كيف نبني سوداناً لا يشعر فيه أي إقليم بأنه مستبعد ولا تشعر فيه أي مجموعة بأن السلطة والثروة امتياز خاص بها.
فالوحدة الوطنية لا تعني أن تبقى موازين القوة كما كانت منذ الاستقلال وإنما تعني أن يكون جميع السودانيين شركاء في وطن واحد على قاعدة المواطنة والعدالة.
ولهذا فإن الدفاع عن حق دارفور في المشاركة ليس موقفاً جهوياً ولا انحيازاً لإقليم ضد آخر.
إنه موقف قومي من قضية سودانية عامة: حق كل سوداني وكل إقليم وكل مكوّن في أن يكون شريكاً كاملاً في الدولة.
ومن هذه الزاوية فإن معالجة «دارفورفوبيا» لا تكون بإقصاء دارفور وإنما بإعادة تأسيس العلاقة بين المركز والأقاليم على قاعدة العدالة والمواطنة المتساوية.
فالسودان لن يصبح أكثر استقراراً إذا خرجت دارفور منه وإنما إذا أصبحت دارفور، وسائر أقاليمه، شركاء متساوين في دولة واحدة.
ومن هنا بدأت الحكاية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.