للذين هتفوا ضد عمران .. القبيلة ليست معسكراً سياسياً
لا شك أن الحرب أيقظت فينا الكثير من المشاعر؛ الخوف والقلق والغضب والتطرف إلى درجة الكراهية بسبب الاختلاف في المواقف من الحرب. لا أحد يعيب على الآخر مشاعره، فهي ملك له، ولكن ليس مقبولاً أن تكون المواقف السياسية سبباً في إبعاد شخص عن مكوّنه القبلي والاجتماعي، والهتاف ضده بسبب انتمائه السياسي وقناعاته.
فالهتاف ضد مستشار الدعم السريع عمران عبدالله، في المهرجان الثقافي الذي نظمه أبناء البرقو الصليحاب ـ رابطة أبناء وداي بمدينة برمنغهام في بريطانيا ـ ليس له مبرر، لأن عدداً من المنتمين إلى أطراف الحرب شكّلوا حضوراً في هذا المهرجان. ولماذا لم تهتف هذه الأصوات ضد الإسلاميين الذين أشعلوا الحرب؟ ولماذا لم تهتف بالدعوة إلى السلام؟ أم أن الذين هتفوا يحاولون تسخير هذا المهرجان لصالح معسكر دعاة الحرب؟.
أعتقد أنها محاولة فاشلة؛ لأن القبائل لا تصادر حقوق أبنائها وبناتها في تحديد خياراتهم وانتماءاتهم السياسية. وعليه، فإن الأصوات التي هتفت ضد عمران لا تعبّر عن موقف سياسي واحد لأبناء قبيلة البرقو الصليحاب أو أمة وداي. وليس كل أبناء وبنات الجعلية أو الشايقية ينتمون إلى حاضنة البرهان السياسية، وبذات القدر ليس كل أبناء الرزيقات أو المسيرية ينتمون إلى الدعم السريع.
من الحكمة أن نُبعد القبائل عن محاولات الاختطاف السياسي. فالذين هتفوا ضد عمران قد لا يكونون جزءاً من القبيلة، وربما كانوا ضيوفاً لم يحترموا الخصوصية الثقافية للمهرجان، وأصبحوا مخربين للعمل الثقافي والاجتماعي الجميل لأبناء القبيلة الذين تنادوا للاحتفاء بثقافتهم وتراثهم.
وإذا افترضنا جدلاً أنهم ينتمون إلى قبيلة البرقو الصليحاب أو أمة وداي، فمن المستحيل أن تنتمي قبيلة كاملة إلى مكوّن سياسي أو عسكري واحد في ظل هذه الحرب التي شتّتت انتماءات أفراد الأسرة الواحدة، ناهيك عن قبيلة ببطونها وفروعها.
على اللجنة المنظمة للمهرجان أن تتحلى بالشجاعة وتعتذر عن هذا السلوك تجاه عمران. طال أمد هذه الحرب أو قصر، ستنتهي يوماً، ولا بد من أن نغيّر مشاعر الحرب لكي نحافظ على علاقاتنا الاجتماعية؛ لأن السياسة تتغير، والمواقف والانتماءات الفكرية أحياناً تتبدل بسبب المراجعات الفكرية، ويبقى رصيدنا الاجتماعي هو الذي يحافظ على نسيجنا الاجتماعي. فما مزقته الحرب، ترقّعه صلة القربى والصداقة والزمالة والجيرة والعِشرة الطيبة.
في ظل هذه الحرب، هناك من اتخذ من المواقف السياسية ساحة للمعارك مع أقربائه وزملائه وأصدقائه ومعارفه، متخذاً من المشاجرات والهتافات السياسية سلاحاً، وهي في ظاهرها ادعاءات ومواقف وطنية زائفة، وفي باطنها الغيرة السياسية والعنف الناعم والكراهية.
الحرب الأهلية مليئة بالقصص والتناقضات. إحدى صديقاتي حدثتني ذات يوم وقالت لي: «هذه الحرب علمتني ألا أكون متطرفة ضد أي طرف من أطراف الحرب، مع الحفاظ على ولائي للمكوّن السياسي الذي أنتمي إليه». فقلت لها: لماذا هذا التسامح؟. فقالت: «رأيت بأم عيني بعض المقاتلين من أبناء دارفور، الذين يتعافون من إصابات المعارك في دولة آسيوية، محافظين على صداقاتهم؛ يأكلون في صحن واحد، ويضحكون ويلعبون الكوتشينة مع بعضهم، بالرغم من أن كل واحد منهم يواجه الآخر في ميدان المعركة».
ما دام المتقاتلون يحافظون على علاقاتهم، فلماذا يكره المدنيون بعضهم بعضاً؟ .
في قلوب بعض الناس الكثير من الغضب، ويخشون أن يخرج ما بداخلهم من هواء غضب تجاه أصدقائهم وزملائهم، فيكتفون باللقاءات والضحكات، واضعين كل ما يحملونه من غضب في دواليب الأيام، لعل غيث السلام يغسل شوائب الحروب.
لا للحرب والكراهية، نعم للسلام
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.