دارفورفوبيا.. من الخوف إلى العطب الفكري وصناعة التخويف بآليات الكراهية والتمييز العنصري (4)

زكريا ادم علي عبد الرسول

الخوف غريزة إنسانية طبيعية. فهو ينبه الإنسان إلى الخطر ويدفعه إلى الحذر ويحميه من التهور. لكن الخوف لا يظل دائماً في حدوده الطبيعية. فقد يبدأ باستجابة لموقف أو تجربة ثم يتراكم مع الزمن حتى يتحول إلى قناعة ثابتة وعدسة يرى الإنسان من خلالها الأشياء والأشخاص والأحداث.
عند هذه النقطة لا يعود الخوف مجرد شعور.
يصبح طريقة في التفكير.
ومن هنا يمكن الاقتراب من ظاهرة «دارفورفوبيا» باعتبارها حالة تستحق الدراسة لا باعتبارها مجرد موقف عابر من إقليم أو جماعة. فالمسألة الأعمق هي كيف يمكن للخوف من الآخر أن يتحول تدريجياً إلى عطب فكري يعيد تشكيل طريقة الإنسان في تفسير الواقع ثم يدفعه إلى إنتاج خطاب التخويف منه.
فالخوف في بدايته شعور داخلي.
لكن عندما يجد بيئة اجتماعية وسياسية مناسبة فإنه يبحث عن لغة تعبر عنه.
وهنا تظهر الكراهية والتمييز العنصري باعتبارهما من أهم الآليات التي يمكن أن يتحول عبرها الخوف الخاص إلى خطاب عام.
فالتمييز العنصري لا يكتفي بوضع مسافة بين «نحن» و«هم» وإنما يصنع تصوراً يجعل الاختلاف ذاته سبباً للريبة. ومع تكرار هذا التصنيف يبدأ العقل في التعامل مع الآخر باعتباره مختلفاً في الجوهر لا في التفاصيل، ثم يصبح الاختلاف مبرراً للحذر، والحذر مبرراً للإقصاء.
أما خطاب الكراهية فيمنح الخوف أدواته.
إنه يحول المشاعر غير المنظمة إلى عبارات وصور وتوصيفات قابلة للتداول. ومع كثرة التكرار يمكن أن تتحول الرسالة من مجرد خطاب عدائي إلى صورة ذهنية مستقرة في وعي المتلقي.
وهنا تحدث النقلة الأخطر:
الخوف لم يعد شعوراً يعيشه الفرد، بل أصبح شيئاً يجري إنتاجه لدى الآخرين.
وهنا تبدأ صناعة التخويف.
صناعة التخويف تختلف عن الخوف الطبيعي. فالخوف الطبيعي ينشأ من إدراك خطر، أما صناعة التخويف فتعمل على تكبير الخطر أو تعميمه أو اختراع روابط بين وقائع متفرقة بحيث يصبح الآخر في النهاية مصدراً دائماً للتهديد.
ويصبح الهدف ليس فقط أن يخاف صاحب الخطاب، وإنما أن يجعل الآخرين يخافون أيضاً.
وفي هذه المرحلة يدخل العامل السياسي بقوة.
فالسلطة والثروة عندما تتحولان إلى امتيازات يسعى أصحابها إلى الاحتفاظ بها يمكن أن تصبح مشاركة الآخرين مصدراً للقلق. فظهور قوة اجتماعية أو إقليمية جديدة قد يُقرأ باعتباره تهديداً لموازين النفوذ القائمة، لا باعتباره تطوراً طبيعياً في مجتمع متنوع.
وهنا يمكن أن يتحول الاستئثار بالسلطة والثروة وعدم الرغبة في مشاركة الآخرين إلى أحد مصادر الخوف.
فالذي يرى المشاركة خسارة شخصية قد يبدأ في البحث عن مبررات تمنعها.
وإذا لم تكن المصلحة وحدها كافية فإنه يحتاج إلى صورة تجعل الآخر غير جدير بالمشاركة أصلاً.
وهنا تتدخل الكراهية والتمييز.
فتصبح الرسالة الضمنية: المشكلة ليست في أن الآخر يطالب بحقه، وإنما في أن الآخر نفسه خطر.
وهذه واحدة من أخطر الحيل النفسية في الصراع السياسي لأنها تنقل النقاش من الحقوق والمصالح إلى الهوية والخوف.
وهنا تظهر أيضاً النفس البشرية عندما تستسلم للأنانية والمصلحة الضيقة. فالنفس التي لا ترى في الآخر شريكاً وإنما خصماً على المكانة والسلطة والثروة تبحث باستمرار عن مبررات لإقصائه.
وعندما تلتقي هذه النفس بخطاب الكراهية وبالتمييز العنصري وبالمصالح السياسية يصبح إنتاج الخوف أسهل.
وهكذا تتشكل منظومة متكاملة:
مصلحة تخشى المشاركة
وتمييز يصنع صورة نمطية
وكراهية تضخم الخطر
ونفس ترى في الآخر خصماً
ثم خطاب يحول كل ذلك إلى تخويف للآخرين.
لكن المشكلة لا تتوقف عند صناعة الخطاب.
فمع استمرار هذه العملية يبدأ العقل نفسه في التغير.
العقل الذي يتعرض للخوف بصورة متكررة أو يعيش داخله فترة طويلة قد يصبح أكثر استعداداً لتصديق ما يتفق مع مخاوفه. يبحث عن الأدلة التي تؤكد الصورة السابقة ويتجاهل أو يقلل من أهمية الأدلة التي تنقضها.
وهنا يتحول الخوف إلى عطب فكري.
فبدلاً من أن يقرأ الإنسان الواقعة ثم يكون رأيه بشأنها، يصبح رأيه السابق هو الذي يحدد كيف يقرأ الواقعة.
إذا أخطأ فرد فإنه قد يرى الخطأ دليلاً على طبيعة الجماعة.
وإذا ظهرت مطالبة بالحقوق فقد يراها محاولة للسيطرة.
وإذا حدث تنافس سياسي فقد يفسره باعتباره مؤامرة.
وإذا ظهر اختلاف في الرأي فقد يتحول في ذهنه إلى تهديد.
وبذلك يفقد العقل شيئاً أساسياً: القدرة على التمييز.
التمييز بين الفرد والجماعة.
بين المنافس والعدو.
بين المطالبة بالحقوق والاستيلاء على السلطة.
بين الخطر الحقيقي والخطر المتخيل.
وبين الواقعة والتفسير الذي صنعه الخوف حولها.
وهنا يصبح العطب الفكري أخطر من الخوف نفسه.
لأن الإنسان يستطيع أن يخاف ثم يراجع نفسه.
أما عندما يصبح الخوف جزءاً من طريقة تفكيره فإنه قد لا يعود يرى حاجته إلى المراجعة أصلاً.
ومن هنا تبدأ الحلقة المغلقة:
الخوف ينتج صورة نمطية
والصورة النمطية تنتج تفسيراً منحازاً
والتفسير المنحاز ينتج خطاباً عدائياً
والخطاب العدائي ينتج سلوكاً إقصائياً
والإقصاء ينتج رد فعل
ثم يستخدم رد الفعل دليلاً جديداً على صحة الخوف.
وهكذا يصبح الخوف منتجاً للواقع الذي يخشاه.
وهذه النقطة بالذات تجعل المسألة تتجاوز بعدها النفسي إلى بعدها السياسي.
فحين تنتقل الفوبيا من الفرد إلى النخبة تصبح قناعة سياسية.
وحين تتحول القناعة السياسية إلى خطاب عام تصبح ثقافة.
وحين تدخل الثقافة إلى مؤسسات الدولة تصبح سياسة.
وهنا تبدأ المخاطر الحقيقية.
لأن الدولة التي تتعامل مع مواطنيها من خلال المخاوف لا تستطيع أن تبني استقراراً دائماً. وكلما شعر طرف بأنه مستهدف فإنه يبحث عن ضماناته الخاصة، وكلما بحث طرف عن ضماناته الخاصة ازداد شك الآخرين فيه.
وبمرور الوقت يمكن أن تتحول الدولة من مساحة للشراكة إلى مساحة للصراع على الحماية والنفوذ.
وهذا يحمل آثاراً مباشرة على المستقبل الجيوسياسي للسودان.
فالدولة التي تعاني ضعف الثقة الداخلية تصبح أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية. وعندما تفقد مكوناتها الثقة في بعضها فإنها تبدأ في البحث عن مصادر قوة خارج إطار الدولة نفسها، سواء عبر تحالفات إقليمية أو علاقات دولية أو ترتيبات أمنية موازية.
وهكذا يمكن للخوف الداخلي أن يتحول تدريجياً إلى عامل يعيد تشكيل موازين القوى داخل الدولة وعلاقاتها بمحيطها.
لذلك فإن خطورة «دارفورفوبيا» لا تكمن فقط في الإساءة إلى طرف أو إقليم.
خطورتها الأعمق أنها تقدم نموذجاً لكيف يمكن أن تتحول المخاوف والأحكام المسبقة والمصالح الضيقة إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في مستقبل الدولة.
فالخوف إذا بقي في حدود الوعي الشخصي يمكن مراجعته.
أما إذا تحول إلى خطاب تخويف، ثم إلى كراهية، ثم إلى تمييز، ثم إلى سياسة، فإنه يصبح أكثر من مجرد شعور.
يصبح آلية لإعادة إنتاج الصراع.
ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تعني إنكار المخاطر الحقيقية ولا مطالبة الناس بالثقة العمياء في الآخرين. وإنما تعني استعادة القدرة على التفكير خارج أسر الخوف.
أن نسأل قبل أن نحكم.
وأن نفرق قبل أن نعمم.
وأن نناقش الفعل قبل أن ندين الهوية.
وأن نفهم أن المنافسة السياسية ليست بالضرورة عداءً وجودياً.
وأن المشاركة في السلطة والثروة ليست مؤامرة على أحد وإنما شرط من شروط استقرار الدولة الحديثة.
فالدولة التي لا تستطيع إدارة اختلافاتها بالحوار والمؤسسات ستظل تبحث عن الأمن في القوة.
والقوة التي تستخدمها الدولة بدافع الخوف قد تحقق السيطرة مؤقتاً، لكنها لا تصنع بالضرورة الاستقرار.
وفي النهاية فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل السياسي هو أن يتحول الخوف من وسيلة للحذر إلى وسيلة للحكم على الآخرين.
عندها لا يعود الإنسان يرى الواقع كما هو.
بل يرى الواقع كما يخيفه.
وحين تنتشر هذه الطريقة في التفكير داخل المجتمع والنخبة والدولة فإن الخطر لا يعود في «الآخر» وحده.
الخطر يصبح في العقل الذي لم يعد قادراً على رؤية الآخر إلا باعتباره خطراً.
وهنا تبلغ «دارفورفوبيا» معناها الأوسع:
ليست مجرد خوف من الآخر، وإنما رحلة يبدأ فيها الخوف شعوراً، ثم يتحول إلى عطب فكري، ثم إلى صناعة للتخويف بآليات الكراهية والتمييز، وقد ينتهي إلى إعادة تشكيل السياسة والجغرافيا السياسية للدولة نفسها.
وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها الخوف، paradoxically، أخطر من الشيء الذي يخاف منه الإنسان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.