ليس السؤال اليوم ما إذا كان عبد الفتاح البرهان يريد أن يحرق السودان، فهذه صياغة تختزل مأساة بلد كامل في شخص واحد، وإنما السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أصبح استمرار الحرب، بالنسبة إلى البرهان وحلفائه الإسلاميين، أقل كلفة من إنهائها؟
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت المعركة بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع إلى حرب متعددة الأطراف، دخلت فيها مليشيات وقوى سياسية وشبكات خارجية. ومع مرور أكثر من ثلاث سنوات، لم تعد الكارثة مجرد صراع على السلطة بين جنرالين؛ بل أصبحت معركة على شكل الدولة نفسها، وعلى من يملك حق تحديد مستقبل السودان بعد توقف الرصاص.
البرهان ينفي باستمرار أن يكون الجيش خاضعاً لجماعة الإخوان المسلمين أو لحزب المؤتمر الوطني المحلول، ويؤكد أن ولاء القوات المسلحة للدولة والشعب. وفي مارس 2026، جدد الرجل هذا النفي بصورة صريحة، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة قد صنفت جماعة الإخوان المسلمين السودانية تنظيماً إرهابياً.
لكن المشكلة أن السياسة لا تُقاس بالتصريحات وحدها، وإنما أيضاً بمن يجلس إلى جوار صاحب القرار، ومن يقاتل تحت رايته، ومن يستفيد من استمرار المعركة.
فالتقارير والتحليلات الدولية خلال 2025 و2026 رصدت تنامي نفوذ شخصيات وتشكيلات إسلامية مرتبطة بنظام عمر البشير داخل المعسكر المؤيد للجيش، ومن بينها كتيبة البراء بن مالك، التي أصبحت واحدة من أكثر التشكيلات الإسلامية إثارة للجدل في الحرب. كما أشارت تقارير إلى حصول مقاتلين مرتبطين بالإسلاميين على تدريب ودعم إيراني، وهو ما يزيد تعقيد العلاقة بين القيادة العسكرية وهذه الشبكات.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة.
الإخوان الذين خرجوا من السلطة بعد ثورة ديسمبر 2019 وجدوا في الحرب فرصة للعودة من بوابة البندقية. أما قيادة الجيش، التي تحتاج إلى المقاتلين والتمويل والشبكات السياسية في معركة طويلة، فقد وجدت في هذه القوى قوة جاهزة للحشد والقتال.
إنها، في ظاهرها، شراكة مصالح؛ لكنها قد تتحول إلى قيد سياسي على القرار العسكري.
فكلما طال أمد الحرب، ازدادت قدرة القوى التي تملك السلاح والتنظيم على فرض شروطها. وكلما تراجعت فرص الحل السياسي، أصبح من الصعب إعادة هذه القوى إلى ثكناتها أو إخراجها من المشهد السياسي. وهذا تحديداً ما يجعل الحرب بالنسبة إلى الإسلاميين أكثر من مجرد معركة عسكرية؛ إنها مشروع لاستعادة النفوذ الذي فقدوه بعد سقوط البشير.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن ينتصر طرف عسكري على آخر، وإنما أن تنتهي الحرب وقد أصبحت الدولة رهينة لتحالفات الحرب ومليشياتها وشبكاتها الأيديولوجية.
الولايات المتحدة والدول المشاركة في المسار الرباعي طرحت في سبتمبر 2025 خارطة طريق تقوم على هدنة إنسانية ثم وقف دائم لإطلاق النار وانتقال بقيادة مدنية، وشددت على عدم منح جماعة الإخوان أو الجماعات الإسلامية المرتبطة بها دوراً في مستقبل السودان.
لكن البرهان ظل يرفض، في أكثر من مناسبة، الحديث عن وقف الحرب قبل استسلام الدعم السريع. وفي مارس 2026 أعلن أنه لا هدنة ولا مصالحة قبل استسلام خصمه.
قد يقول قائل إن البرهان لا يستطيع إنهاء الحرب منفرداً، وهذا صحيح. وقد يقول آخر إن الدعم السريع ارتكب فظائع لا يمكن تجاهلها، وهذا أيضاً صحيح. لكن إدانة جرائم الدعم السريع لا تمنح أي طرف شيكاً مفتوحاً لإطالة الحرب، كما أن الدفاع عن الجيش كمؤسسة لا يعني الدفاع عن كل تحالفاته السياسية والعسكرية.
السودان يحتاج إلى جيش وطني، لا إلى جيش تحيط به تشكيلات عقائدية. ويحتاج إلى دولة، لا إلى سلطة عسكرية تبحث عن شرعيتها من فوهة البندقية. ويحتاج إلى سلام يفتح الطريق أمام المدنيين، لا إلى هدنة مؤقتة تسمح بإعادة توزيع النفوذ بين أمراء الحرب.
المشكلة إذن ليست في أن البرهان “يحب الإخوان” أو يكرههم؛ فهذه قراءة شخصية لا يمكن إثباتها بسهولة. المشكلة في المعادلة السياسية التي تجعل بقاء شبكات النظام السابق وتشكيلاته المسلحة جزءاً من حسابات الحرب.
فإذا كان البرهان يريد فعلاً أن يثبت أن الجيش مؤسسة وطنية لا ذراعاً لأي تيار سياسي، فإن الاختبار الحقيقي ليس في المؤتمرات والخطب، بل في قدرته على إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لقيادة وطنية واحدة، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية، ورفض تحويل السودان إلى ساحة نفوذ لمحاور إقليمية أو أيديولوجية.
أما الاستمرار في الحرب بلا أفق سياسي، وتوسيع دائرة التعبئة، وإعادة إنتاج القوى التي حكمت السودان لثلاثة عقود، فلن يكون انتصاراً للدولة.
سيكون ببساطة انتصاراً لمن يريد أن يبقى السودان في حالة حرب حتى لا يضطر إلى مواجهة سؤال ما بعد الحرب.
والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحاً أمام البرهان، وأمام الإسلاميين، وأمام كل القوى المسلحة والسياسية، هو:
كم سودانياً يجب أن يموت حتى يقتنع الجميع بأن الوطن أكبر من الجنرال، وأكبر من الجماعة، وأكبر من السلطة؟
السودان لا يحتاج إلى طرف ينتصر في الحرب بقدر ما يحتاج إلى دولة تنتصر على الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.