صمود المعلمين السودانيين.. دروس ديسمبرية للكيزان

تيسير المبارك

 

في السودان، لم تعد المدرسة مجرد جدران وسبورة وكتاب. صارت المدرسة واحدة من آخر المساحات التي تقاوم الانهيار، والمعلم واحداً من آخر الذين يصرون على أن لهذا البلد مستقبلاً يستحق أن يُبنى.

حين يخرج المعلم السوداني مطالباً براتبه، وبحقه في حياة كريمة، وببيئة تعليمية تحفظ كرامته وكرامة تلاميذه، فهو لا يطالب بامتياز شخصي. إنه يضع الدولة أمام امتحان أخلاقي: ماذا تفعلون بمن يحملون على أكتافهم مستقبل أطفال السودان؟

خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت احتجاجات وإضرابات المعلمين في عدد من الولايات بسبب تأخر الرواتب وتدهور الأوضاع المعيشية وبيئة العمل. وفي الخرطوم بدأ معلمون إضراباً في يونيو احتجاجاً على عدم صرف المستحقات، بينما شهدت ولايات أخرى تحركات مماثلة.

هذه ليست مجرد أزمة أجور.

إنها أزمة دولة اختارت، في خضم الحرب، أن تتعامل مع التعليم باعتباره بنداً يمكن تأجيله، بينما تُفتح الأبواب للإنفاق العسكري وتُستنزف موارد البلاد في معركة يدفع ثمنها المواطن كل يوم.

والمفارقة أن المعلمين، رغم هشاشة أوضاعهم، يثبتون أن الوعي الذي صنع ديسمبر لم يمت.

فثورة ديسمبر لم تكن حدثاً عابراً في ذاكرة السودانيين. كانت لحظة استعاد فيها الناس حقهم في السؤال والاحتجاج ورفض الظلم. وكان المعلمون، مثلهم مثل الأطباء والمهندسين والعمال والطلاب، جزءاً من ذلك الوعي الذي كسر حاجز الخوف.

اليوم، حين يقف المعلم في مواجهة السلطة مطالباً بحقه، فهو يقدم درساً جديداً لكل من يظن أن الحرب تستطيع أن تمحو ذاكرة ديسمبر.

والدرس الأهم للكيزان لن تستطيعوا استعادة السودان القديم.

قد تفرض الحرب واقعاً جديداً، وقد تسمح الفوضى بعودة بعض الوجوه والشبكات التي ارتبطت بالنظام السابق، لكن المجتمع الذي خرج في ديسمبر لم يعد هو المجتمع الذي حكمه نظام الإنقاذ لثلاثة عقود.

المعلم الذي يرفض أن يتحول إلى موظف بلا راتب، والمدرسة التي ترفض أن تتحول إلى مساحة للدعاية السياسية، والطالب الذي يريد كتاباً ومقعداً بدلاً من بندقية؛ كل هؤلاء يمثلون السودان الذي لم تستطع الحرب قتله.

لقد عرف السودانيون ثمن الدولة التي تضع الولاء السياسي فوق الكفاءة، وتستخدم المؤسسات العامة لخدمة التنظيم، وتحوّل التعليم إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة.

ولهذا فإن صمود المعلمين اليوم يحمل معنى يتجاوز قضية المرتبات.

إنه دفاع عن فكرة الدولة المدنية نفسها.

فالدولة التي لا تستطيع دفع راتب المعلم في موعده، ثم تطلب منه أن يصنع جيلاً قادراً على بناء المستقبل، دولة تحتاج إلى مراجعة أولوياتها قبل أن تطالب الناس بالصبر.

والدولة التي تستطيع تمويل الحرب، لكنها تعجز عن تمويل المدرسة، ترسل رسالة خطيرة إلى المجتمع: أن البندقية أهم من الكتاب.

لكن السودان لن يخرج من الحرب بالبندقية وحدها.

حتى لو توقفت المعارك غداً، فإن إعادة بناء البلاد ستحتاج إلى ملايين الأطفال والشباب الذين يحتاجون إلى مدارس ومعلمين ومناهج، لا إلى خطاب تعبئة جديد.

وتؤكد التقارير الحديثة حجم الكارثة؛ فقد وثقت الأمم المتحدة عشرات الهجمات على المدارس في السودان، مع استمرار تعرض العملية التعليمية للاضطراب بسبب الحرب.

لذلك فإن تجاهل المعلمين ليس مجرد خطأ إداري، بل مقامرة بمستقبل بلد كامل.

المعلم السوداني اليوم لا يطلب المستحيل. يريد راتباً منتظماً، وبيئة عمل آمنة، وحقوقاً واضحة، ومدرسة لا تُستخدم كساحة للحرب أو الاستقطاب السياسي.

وهذه مطالب لا تحتاج إلى بندقية لحمايتها، بل تحتاج إلى دولة تحترم مواطنيها.

أما الذين يعتقدون أن إرهاق المجتمع بالحرب والفقر سيجعله أكثر قابلية للخضوع، فعليهم أن يتذكروا درس ديسمبر.

الشعوب قد تصمت حيناً لأنها متعبة، لكنها لا تنسى.

والمعلم تحديداً لا ينسى، لأنه يقف كل صباح أمام جيل جديد ويعرف أن مهمته ليست فقط تعليم القراءة والكتابة، وإنما تعليم معنى السؤال والحق والكرامة.

لهذا فإن صمود المعلمين السودانيين اليوم ليس مجرد إضراب.

إنه رسالة سياسية واجتماعية عميقة: لا حرب تستطيع إلغاء حق الناس في الحياة الكريمة، ولا سلطة تستطيع أن تجعل التعليم تابعاً للأيديولوجيا، ولا جماعة تستطيع أن تعيد عقارب الساعة إلى ما قبل ديسمبر.

يا كيزان، إذا كنتم تراهنون على أن الحرب ستعيدكم إلى السودان القديم، فانظروا إلى المعلم.

ستجدون أمامكم شخصاً قد لا يحمل بندقية، لكنه يحمل ما هو أخطر على أي مشروع استبدادي: وعي ديسمبر.

وهذا الوعي، مهما طال الليل، يعرف طريقه إلى الفجر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.