مرة أخرى يتحدث البرهان بلسان الدولة وكأن الدولة السودانية اختُزلت في شخصه، وكأن موقعه العسكري يمنحه حق تعريف الوطن، وتحديد من هو الوطني، ومن يستحق المشاركة في الحوار.
لكن البرهان ليس الدولة، وجيش الحركة الاسلاموية ليس الدولة، ومجلس السيادة ليس الدولة. الدولة أكبر من الجنرال، وأوسع من السلطة التي يسيطر عليها.
وعندما يقول البرهان إن «الدولة» لن تتدخل في الحوار، يبرز السؤال: أي دولة يقصد؟ إذا كان المقصود مؤسسات الدولة، فمن يسيطر عليها؟ وإذا كان المقصود السلطة القائمة في بورتسودان، فهي نفسها التي تحدد من هو «الوطني»، ومن يستحق المشاركة، ومن يُستبعد.
هنا تتحول الوطنية إلى مرادف للولاء للسلطة. فالوطني، وفق هذا المنطق، هو من يقف خلف البرهان في الحرب ويردد روايتها.
البرهان لا يملك الدولة حتى يتحدث باسمها، ولا يملك السودان حتى يمنح الآخرين صكوك الوطنية.
الأكثر إثارة أن السلطة التي تقود الحرب تتحدث عن «حوار سوداني سوداني» وكأنها تقف فوق الأزمة. كيف يكون قائد الجيش، وهو الذي صنع الحرب ورأس السلطة، راعياً لحوار يفترض أن يجمع السودانيين؟
الحوار الذي تصممه السلطة وتختار أطرافه، وتحدد أجندته، ثم تقدمه باعتباره إرادة وطنية، يتحول إلى محاولة لمنح شرعية سياسية لواقع فرضته القوة.
والقوى التي ساندت انقلاب 25 أكتوبر 2021 لا تستطيع اليوم تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحل. فالانقلاب كسر المسار الانتقالي، وعمّق الانقسام السياسي، وأغلق الطريق أمام بناء مؤسسات مدنية مستقرة، وأوصل البلاد إلى الحرب لتكشف حجم الكارثة.
من ساهم في صناعة الأزمة لا يستطيع احتكار وصفة علاجها.
أما الحديث عن إيقاف الإجراءات الجنائية بحق قيادات سياسية لم يسمها البرهان، فيبدو أقرب إلى محاولة لإظهار السلطة أمام المجتمع الدولي بصورة المنفتحة على الحوار، مع الإبقاء على شروط المشاركة تحت سيطرتها.
الحوار الحقيقي يحتاج إلى معايير واضحة ومشاركة واسعة، لا إلى دعوات انتقائية لقوى على مقاس السلطة، ولا إلى أسماء تُستخدم لإضفاء مظهر الشمول على عملية سياسية محددة النتائج مسبقاً.
والخطر أن يتحول الحوار إلى جسر تعبر عليه السلطة العسكرية نحو مرحلة جديدة من الحكم، بدلاً من أن يكون طريقاً للخروج من الحكم العسكري.
وهنا تظهر الحركة الإسلامية مرة أخرى. فلا ينبغي أن تنطلي على السودانيين مسرحية استبعاد المؤتمر الوطني باعتبارها قطيعة مع النظام السابق. القضية أكبر من اسم حزب؛ إنها شبكة نفوذ داخل مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة والاقتصاد ومراكز القرار.
وهنا تكمن القضية الحقيقية: هل ستخرج من الحرب دولة مدنية ديمقراطية، أم سلطة عسكرية تبحث عن واجهة سياسية؟
السودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير القوى التي ساهمت في أزمته، ولا إلى حوار يُدار من داخل السلطة ثم يُقدم باعتباره إرادة الشعب، ولا إلى انتخابات تمنح شرعية شكلية لسلطة الأمر الواقع.
يحتاج السودان إلى عملية سياسية حقيقية، وجيش مهني موحد تحت سلطة مدنية، ومؤسسات تخضع للقانون، ومحاسبة سياسية لكل من ساهم في تقويض الانتقال وإشعال الحرب.
البرهان صنع الأزمة، ويعتبر مجرم حرب، وليس من حقه أن يضع نفسه في موقع من يملك الحل بيده، ثم يمنح صكوك الوطنية.
والدولة السودانية أكبر من البرهان والجيش والإسلاميين وكل القوى التي تتعامل معها كغنيمة سياسية.
السودان لا يحتاج حواراً ينقذ سلطة البرهان؛ يحتاج مساراً سياسياً ينقذ الدولة من سلطة البرهان ومن كل القوى التي تريد اختطافها من جديد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.