ثمة نصوصٌ لا ينبغي أن نقرأها بعين اللغة التي كُتبت بها، لكن بعين الروح التي فاحت منها.
هنا، نص عامي سوداني مذهل نفاذ هو واحدٌ من هذا النوع.
يبدو، للوهلة الأولى، أن شيخاً من أهل الطريق يجلس إلى مريده، فيقول له: «كن ذو فكر أوعى الغرور أوعى الكبر»
لكن، إذا أطلنا الوقوف قليلاً، سنكتشف أن الرجل لم يكن يربّي مريداً فحسب؛ كان، من حيث لا يدري، يرسم ملامح إنسان.
وربما كان يرسم بالضبط ملامح الإنسان السوداني الذي كنا نعرفه، أو قل، ذلك الإنسان الذي أضعناه في زحام هذه الحرب، أو حتي الإنسان الحُلم الذي لم يأت بعد.
في البدء قال: أوعى الغرور.
يا لها من بداية، لم يقل له فيها: اعرف أكثر، قال له: احذر أن تتحول معرفتك إلى غرور.
ولم يقل: كن كبيراً، لكن قال له: احذر الكِبَر.
كأن أول أبواب المعرفة، في هذا الطريق، أن تعرف مقامك من حيث أقامك، وأن تعرف حجمك أمام حقيقة نفسك لا من زيفها.
فالمريد لا يبدأ من «أنا»، إنما يبدأ بإسقاط هذه «الأنا»، التي حذر منها العبيد ود ريا قائلا: “الدق سدروا، شيطانو قدرو، والقال أنا، شيطانو دنا”
وهنا، ربما، تكمن إحدى الأسرار العظيمة للشخصية السودانية:
ذلك التواضع الذي لا يعني بالضرورة ضعفاً، والحياء الذي لا يعني عجزاً، والنفور من المتعالي، حتى لو كان المتعالي هذا، شيخاً أو عالماً أو قائداً.
السوداني القديم كان يمكن أن يقول للكبير: يا شيخنا، ثم يلاطفه ويمازحه، لأن المحبة عنده لا تحتاج إلى مسافة خوف.
كان يحترم المقام، لكنه لا يحب أن يرى المقام وقد ابتلع الإنسان فيه.
ثم تأتي: «قم يا فقير، الموية جات تهدر هدر، جدول كبير وآخر صغير»
هنا يتحول النص فجأة إلى قاموس مختلف.
وهذه ليست مصادفة، فالسوداني لا يتعلم الحكمة من الكتب وحدها.
يتعلمها من الحقل، من الساقية، من البذرة التي لا تستعجل الشجرة، ومن الأرض التي تقول لفالحها: اصبر علي ما أصابك.
ولهذا تأتي العبارة التالية كأنها قانون كوني: «بعد الروي ارمي البذور».
أي، لا ترمِ البذرة قبل الماء، ولا تنتظر الثمر قبل أن تروي الأرض.
ولا تطلب الإنسان الكامل من أرضٍ لم تسقها.
كأن هذا الشيخ يقول: ربُّوا الإنسان أولاً، ثم اطلبوا منه أن يبني نفسه قبل الدولة.
لكن الماء وحده لا يكفي، فبعد أن تسقي، يبدأ امتحان آخر: «أوعى من الطيور، أوعى الجراد، أوعي القبور، والبودة خرابت المسور».
يا لها من فلسفة تقول: حتى الخير له آفات، وأن البذرة لا تموت دائماً من العطش؛ لكنها قد تموت من كثرة الطامعين فيها.
فقد يجيء طير، وقد يجيء جراد، وقد يأتي الخراب من حيث لم نتوقع.
وهكذا يتعلم المريد: أن البناء يحتاج إلى حراسة، وأن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي.
ثم يصل النص إلى أخطر أبوابه: «لا تكون فخور، حاسب تشوف حولك بحور، فيهم أهل علم الصدور، يعطو المريد كرت مرور».
هنا يتجلي تصوف أهل السودان في أبهي صورة: علم الصدور، لا علم السطور هو العلم، الذي سِره كما يقال: في الكفوف قبل الحروف.
فهنا أناس لا يحملون شهادات عليا بمعارفهم، لكن هذه المعارف هي التي ظلت تحملهم علي أجنحتها الي قلوب الناس.
هنا، رجال لا يتحدثون عن مقاماتهم، لكن هذه المقامات هي التي تتحدث عنهم.
هناك في هذه البلاد من يعرفه الناس من صمته، ومن أدبه، ومن أثره في الآخرين.
ولذلك: كلما اتسع البحر، قلَّ صخبه، وكلما صغر الإنسان، احتاج أن يعلن عن نفسه أكثر، وبضجيج أعلي.
ثم قال المادح: «لا تكون معيب، أوعاك تفرق في الطريق، أوعى المضب، أوعى المضيق، والاحتكاك بعمل حريق».
هنا لا يعود التصوف مسألة بين الإنسان وربه فقط، يصبح أدباً مع الناس.
فالطريق إلى الله يمر هنا، بشكل ما، من بين كل إنسان وآخر، من تعرف منهم ومن لا تعرف.
ولذا فإن من لا يحسن المشي بين كل هؤلاء، لم يفهم أسرار هذا الطريق، المليء بالمضايق والمطبات، إذ أي احتكاك فيه ربما يولد حرائقا من نوع خاص.
وهنا قد نفهم أيضاً شيئاً مختلفاً من معانى «العيب» في الوجدان السوداني القديم.
فالعيب ليس مجرد مخالفة للعُرف، إنه لحظة سقوط الإنسان من مرتقي المروءة الي درك الأنانية وحب الذات.
أن تكون قادراً على إيذاء غيرك، ثم تختار ألا تفعل.
أن تستطيع أن ترد، ثم تصمت.
أن تستطيع أن تكسر، ثم تجبر.
ذلك هو باختصار قانون هذا الطريق الوعر.
لكن أخطر قاطع علي هذا الطريق ليس هو الشيطان وحده.
هناك آفة أخري هي حب الزعامة والرئاسة والسياسة علي النهج الذي عهدناه.
يطابق النص هنا قول رسولنا الكريم: نحن لا نولي هذا الأمر من طلبه، ليقول النص: «حب الرئاسة ما بيليق
لمن سلك هذا الطريق»
هنا، فجأة، تخرج القصيدة من المسيد إلى الدولة، من المريد إلى الحاكم، من الذكر إلى السياسة.
فالرئاسة، في هذا النص، ليست تكريماً، إنها امتحان.
لأن الإنسان قد يزهد في المال، ثم يهلكه المقام.
وقد يرفض الذهب، ثم يسكره التصفيق، وقد يفر من الدنيا، ثم يركض خلف الكراسي.
ولهذا يقول الناظم: «نفسك حواك، إبليس المعيق، هم حمّلوك ما لا تطيق».
أي أن الكارثة ليست أن تصبح رئيساً، لكن الكارثة أن تحب الرئاسة لذاتها.
أن يتحول التكليف المؤقت إلى ملكية دائمة، والخدمة إلى سيادة تخون بها العهود، والأمانة إلى غنيمة تستأثر بها لنفسك.
هنا تكمن أهم الأسرار في علاقة السودانيين بالسلطة: إنهم لا يكرهون القادة؛ إنما يكرهون أن تتحول القيادة إلى أثرة واستعلاء، ولهذا ثاروا، مرة، ومرتين، وثلاثاً.
كلما شعروا أن من جلس على الكرسي نسي أنه جلس فوق أمانة، لا فوق رقاب، ثاروا عليه.
ثم يأتي بيت كاد أن يكون دستوراً: «إن رمت فوز، إن رمت عز، حب الجميع، أوعى الفرز».
بقولها أوعي الفرز، تبلغ القصيدة نصابها ومقامها.
لا تجعل الناس قبائل متقابلة في قلبك، لا تحول الوطن إلى «نحن» و«هم»، لا تجعل الدين سيفاً بوجه أخيك، لا تجعل السياسة غربالاً للإنسان، لا تجعل اللون، أو الجهة، أو القبيلة، أو الموقف، أو المذهب، سبباً في إسقاط إنسانية إنسان آخر.
فإن أردت عزا: حب الجميع بدون فرز، يا لها من كلمة عجيبة، تكاد تحمل السودان كله، فالسودان، في جوهره الأول، ليس بلد يقوم علي الفرز الديني أو العرقي أو الطبقي.
إنه بلد الاختلاط: النيلان فيه يلتقيان، الألوان تتجاور، الأجناس تتعانق، اللغات تتداخل، هنا الصحراء تصافح الغابة، والشرق يجاور الغرب، والجنوب يرسل مياهه إلى الشمال.
كأن الجغرافيا نفسها كتبت للمواطن السوداني: “أوعى الفرز” ديباجة في وثائقه الرسمية، ثم يقول النص:
«يعطوك سلاح، يعطوك كنز، يعطوك وشاح، وأيضا حرز».
أي: أن هؤلاء القوم إذا أحببتهم، ائتمنوك، وإذا ائتمنوك، حملوك، وإذا حملوك، أعطوك قوتهم.
وهنا تنقلب فلسفة القوة كلها: القوة ليست أن يخافك الناس، القوة أن يأمنوك، وليست السلطة أن تملك رقابهم، بل أن يضعوا رقابهم أمانة في يدك ولا يخافون منك.
ثم، بعد كل هذا الطريق الطويل: الغرور، الماء، البذور، الطيور، الجراد، العلم، المضيق، الرئاسة، حب الجميع… ثم يأتي نبي الرحمة ﷺ.
وكأن القصيدة تقول: كل هذا الأدب ليس اختراعاً لنا، إنه عودة إلى الأصل.
«بالمصطفى حامي الحمى، في حوي الرسول من العمى، ومرادو حسن الخاتمة».
وهنا نفهم أن نهاية المطاف لم تكن في الرئاسة، ولا الكرامة، ولا الكنز، ولا الوشاح، ولا حتى «كرت المرور».
النهاية كانت هي: حسن الخاتمة.
أي أن الطريق كله ليس لكي تصبح عظيماً في أعين الناس، بل لكي تخرج من الدنيا وقد نجي منك الناس، ونجا منك قلبك، ونجت منك الأمانات كلها.
علي أية حال، فإن هذا النص، إذا أُعيد اكتشافه اليوم، يمكن أن يصبح شيئاً أكبر من نص صوفي، يمكن أن يصبح: دستوراً أخلاقياً للإنسان السوداني.
وللحقيقة، فالسودان لم يكن، في عمقه الأول، مشروع سلطة، لقد كان مشروع إنسان. أنظر ماذا قال حكيمنا النوبي لقمان لإبنه: لا تُصعِّر خدك للناس، ولا تمشِ في الأرض مرحًا، بل اقصد في مشيك، واغضض من صوتك.
وبالتالي كأن المسيد، قبل أن يكون مرتعاً للذكر تحفه الملائكة، كان مدرسةً لترويض «الأنا» بالأساس.
وكان الشيخ، قبل أن يكون له أتباع ومريدين، حارساً على باب الغرور.
وكان الفقير، قبل أن يكون فقيراً، إنساناً يتعلم أن يكبح جماح شهوة التملك، بمنع نفسه من الإسراف والافراط في استهلاكه للأشياء.
وكانت الرئاسة، في ميزان الطريق، ليست تاجاً فوق الرأس، بل حجراً ثقيلاً فوق القلب.
ولذلك، إذا أردنا اليوم أن نستعيد السودان، فربما لا نحتاج أن نبدأ من السياسة.
ربما علينا أن نعود خطوة إلى الوراء، إلى الماء، إلى البذرة الأولي، إلى المريد، إلى الإنسان.
إلى تلك الحكمة الشعبية التي قالت، منذ زمن بعيد: أوعى الغرور، ثم قالت: أوعى الكبر، ثم قالت: أوعى الفرز، ثم قالت: حب الجميع.
لعل هذه الكلمات الأربع كانت، دون أن ندري، أربعة مفاتيح لباب السودان: تواضع، لا تستعلِ، لا تفرز، ثم أحب الكل قبل أن تدخل عليهم من أي باب شئت.
فإن دخلتَ بهذه المفاتيح الأربعة، ربما أعطاك أهل الطريق ذلك الشيء الغامض الذي سمّاه النص: «كرت مرور».
لا إلى مجلس شيخ كبير، لكن إلى حضرة النور المحمدي والمدد الرباني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.