يعاني قطاع الكهرباء في البلاد من أزمة مزمنة تتداخل فيها عوامل فنية وإدارية ومالية، من بينها ضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف المشروعات، ومشكلات الوقود، إلى جانب التحديات التي تواجه شبكات النقل والتوزيع. وفي المقابل، تثير ملفات عدد من مشروعات الطاقة تساؤلات بشأن الشفافية والرقابة وآليات إدارة العقود وأعمال الصيانة.
ويبرز سد مروي، بوصفه أكبر منشأة لتوليد الكهرباء في السودان، في صدارة هذه الملفات. وتبلغ قدرته التصميمية نحو 1,250 ميغاواط، فيما تشير تقارير ودراسات إلى أن القدرة المتاحة فعلياً تراجعت، في فترات، إلى مستويات تقل عن 500 ميغاواط.
وتشير مصادر مطلعة لـ«عين الحقيقة» إلى وجود تجاوزات إدارية وفنية في ملف صيانة توربينات السد، خصوصاً بعد استبعاد الشركة المصنّعة للتوربينات من بعض أعمال الصيانة وإسنادها إلى شركات أخرى، بينها شركات صينية، رغم التساؤلات المتعلقة بمدى امتلاكها الخبرة الفنية المتخصصة.
وبحسب المصادر، فإن شركة «ألستوم» الفرنسية كانت الشركة المصنّعة والمورّدة لتوربينات سد مروي، كما تولت أعمالاً مرتبطة بتشغيلها وصيانتها. وخرج التوربينان رقما (1) و(2) من الخدمة خلال فترة الحكومة الانتقالية، على خلفية أعطال واهتزازات شديدة في أحدهما، ما انعكس سلباً على إنتاج السد من الكهرباء.
وتقول المصادر إن إدارة الكهرباء خلال الحكومة الانتقالية تواصلت مع «ألستوم» لمعالجة الأعطال، وإن الشركة أبدت استعدادها لإرسال فريق فني ومعدات متخصصة إلى السودان لفحص التوربينين وتحديد طبيعة الأعطال وأعمال الإصلاح المطلوبة.
ووفق المعلومات المتداولة، كان من المقترح تغطية تكلفة الإصلاح، في حال ثبوتها بعد الفحص، من المنحة الفرنسية البالغة 60 مليون يورو، التي أُعلن عنها في الخرطوم في سبتمبر 2019.
غير أن المصادر أفادت بأن «ألستوم» لم تنفذ المهمة بعد تلقيها خطاباً من وزارة المالية يدعوها للمشاركة في مناقصة لصيانة توربينات مروي، إلى جانب شركات صينية. وأثار ذلك اعتراضات فنية، باعتبار أن الشركة المصنّعة تمتلك السجلات والتصاميم والبيانات الفنية الأصلية الخاصة بالتوربينات.
وبحسب المصادر، أُلغيت المناقصة لاحقاً، وبدأت لجنة إزالة التمكين في قطاع الكهرباء تحقيقاً حول ملابسات الملف، إلا أن التحقيق لم يكتمل عقب انقلاب أكتوبر 2021.
ويعود الملف مجدداً، وفق المصادر ذاتها، مع دخول شركة صينية في أعمال صيانة التوربينات، وسط تساؤلات حول معايير اختيارها ومدى امتلاكها الخبرة الفنية اللازمة للتعامل مع توربينات التوليد المائي.
كما أثار اختيار ثلاثة مهندسين فقط من أصل 12 مهندساً قدمتهم شركة التوليد المائي للعمل في المهمة تساؤلات داخل القطاع بشأن المعايير الفنية التي استند إليها هذا الاختيار.
وتوجه المصادر اتهامات إلى جهات داخل قطاع الكهرباء بالسعي إلى تحقيق مكاسب مالية من عمليات الصيانة، غير أن هذه الاتهامات تظل بحاجة إلى تحقيق رسمي وأدلة ومستندات تثبتها. ولم تتوفر حتى الآن إفادات مستقلة من الجهات الحكومية أو الشركات المعنية للرد على هذه المزاعم أو توضيح تفاصيل ترتيبات الصيانة الحالية.
ويفتح هذا الملف الباب أمام أسئلة أوسع بشأن إدارة أصول سد مروي، وأسباب استمرار خروج بعض وحداته عن الخدمة، ومدى الالتزام بالمعايير الفنية والقانونية في اختيار الشركات المنفذة، فضلاً عن دور الشركة المصنّعة في أعمال الصيانة والتشغيل.
ومع استمرار أزمة الكهرباء في السودان، تبرز الحاجة إلى كشف فني ومالي شفاف يوضح عدد التوربينات العاملة والمتوقفة، وأسباب الأعطال، وتكاليف الصيانة، والجهة التي تتحملها، والأسس الفنية والقانونية التي جرى بموجبها اختيار الشركات المنفذة.
وفي نهاية المطاف، لا تبدو أزمة سد مروي مجرد أعطال فنية عابرة، بل تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بكيفية إدارة أحد أهم أصول السودان الاستراتيجية. فعندما تتعطل التوربينات، وتغيب المعلومات الدقيقة بشأن أسباب الأعطال وتكاليف الصيانة والجهات المنفذة، يصبح الصمت الرسمي جزءاً من المشكلة، لا حلاً لها.
وإذا صحت الشبهات المتعلقة باستبعاد الشركة المصنّعة، أو طريقة إسناد عقود الصيانة، أو معايير اختيار الشركات والكوادر الفنية، فإن ترك هذه الملفات من دون تحقيق شفاف يفتح الباب أمام المحسوبية وتضارب المصالح، ويحمّل المواطن في النهاية فاتورة سوء الإدارة من ماله ومن حقه في الحصول على الكهرباء.
المطلوب ليس بيانات عامة أو تبريرات جاهزة، وإنما كشف كامل للعقود، ومحاضر المناقصات، وتقارير الفحص الفني، وتكاليف الصيانة، والجهات التي اتخذت قرارات الإسناد. فسـد مروي ليس ملكاً لإدارة أو حزب أو مجموعة مصالح، بل يمثل أحد أهم موارد الدولة، وأي عبث بإدارته يمس حق السودانيين في مورد استراتيجي حيوي.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: من يتحمل مسؤولية ما حدث في سد مروي، ومن سيُحاسب إذا ثبت أن الفساد أو المحسوبية كانا وراء تعطيل قدراته وإهدار موارده؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.