حوار بلا ضمانات.. هل تكفي مبادرة البرهان لإخراج السودان من أزمته؟

تيسير المبارك

 

من جديد، يطرح الفريق أول عبد الفتاح البرهان مبادرة للحوار الوطني، مقدماً إياها باعتبارها مدخلاً لإنهاء الأزمة السياسية التي تعصف بالسودان. غير أن هذه المبادرة، منذ لحظة الإعلان عنها، واجهت انتقادات واسعة من قوى سياسية ومدنية ومراقبين، يرون أنها لا تعالج جذور الأزمة، ولا تقدم ضمانات كافية لتحقيق سلام واستقرار مستدامين.

فالسودان اليوم لا يعيش أزمة حوار بقدر ما يعيش أزمة حرب. ومن الصعب إقناع ملايين السودانيين بأن الطريق إلى الاستقرار يبدأ بعقد لقاءات سياسية، بينما لا تزال العمليات العسكرية مستمرة، والمدنيون يدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وأمنهم وسبل عيشهم.

إن أي مبادرة سياسية، مهما كانت عناوينها جذابة، ستظل محدودة التأثير إذا لم تسبقها إجراءات عملية تعيد الثقة بين الأطراف، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة بيئة تسمح بمشاركة سياسية حقيقية، بعيداً عن الضغوط العسكرية والاستقطاب الحاد.

ويرى كثير من منتقدي المبادرة أن المشكلة لا تكمن في غياب الحوار، وإنما في طبيعة الجهة التي تدعو إليه وتدير مساره. فحين تكون المؤسسة العسكرية طرفاً رئيسياً في الأزمة، وفي الوقت نفسه الجهة التي تحدد شروط الحوار وإطاره، يبرز تساؤل مشروع حول مدى استقلالية العملية السياسية، وقدرتها على إنتاج حلول تحظى بقبول وطني واسع.

كما أن التجربة السودانية خلال السنوات الماضية تركت إرثاً من الشكوك بين القوى السياسية، خاصة بعد تعثر مسارات الانتقال المدني والانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023. ولذلك، فإن أي دعوة جديدة للحوار ستظل بحاجة إلى بناء الثقة من جديد، لا الاكتفاء بإطلاق الشعارات.

ويذهب محللون إلى أن استعادة السيطرة العسكرية على بعض المناطق لا تعني بالضرورة استعادة الدولة لعافيتها. فما تزال أجزاء واسعة من البلاد تعاني من القتال، وما تزال الخدمات الأساسية متدهورة، والاقتصاد يواجه تحديات غير مسبوقة، فيما يواصل ملايين السودانيين معاناتهم في مخيمات النزوح واللجوء.

ومن هنا، فإن الحديث عن الاستقرار لا ينبغي أن يقتصر على الترتيبات السياسية، بل يجب أن يشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، وتعزيز سيادة القانون، وإيجاد ضمانات حقيقية لعدم تكرار دوامة الانقلابات والصراعات المسلحة.

إن السلام لا يصنعه حوار يفتقد إلى الثقة، ولا مبادرة لا تعالج أسباب الأزمة الأساسية. فالسودان يحتاج إلى عملية سياسية شاملة، تقوم على مشاركة واسعة، واحترام إرادة المدنيين، وتقديم مصلحة الوطن على حساب المصالح الفئوية والعسكرية.

لقد أثبتت الحرب أن لا طرف استطاع حسم الصراع عسكرياً، وأن استمرار الرهان على القوة لم ينتج سوى مزيد من الدمار والانقسام. ولهذا، فإن نجاح أي مبادرة لن يقاس بعدد المشاركين فيها، وإنما بقدرتها على وقف الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام انتقال سياسي يحظى بثقة السودانيين.

ويبقى السؤال الذي سيحدد مصير هذه المبادرة: هل ستكون بداية حقيقية لمسار يضع السلام فوق المصالح السياسية، أم أنها ستظل مجرد محطة أخرى في أزمة لم تجد طريقها إلى الحل؟ فالسودانيون لم يعودوا بحاجة إلى مبادرات جديدة بقدر حاجتهم إلى قرارات شجاعة تنهي الحرب، وتعيد للدولة هيبتها، وللمواطن حقه في الأمن والاستقرار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.